جواهر الحكمة للشباب - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٦١ - ٣/ ٣ - ٢ أول وال لمكة شاب في الحادية والعشرين
أيضاً من جهة أُخرى أن يستخلف على مكّة التي استخلصها توّاً من أيدي المشركين شخصاً كفوءاً مدّبراً لشؤونها، سيما وأنّها تمثّل آنذاك ثقل الجزيرة العربية ومحط أنظار القبائل والناس كافّة. هذا بالإضافة إلى أنّ مثل هذا الاستخلاف أن يأخذ على أيدي المشركين ويحول دون أيّ محاولة عبث بأمن مكّة واستقرارها. وقد اختار النّبي صلى الله عليه و آله لهذا الأمر الخطير من بين أصحابه شاباً في الحادية والعشرين من عمره اسمه عتّاب بن أسيد فقلّده ذلك، وكتب له كتاباً بولايته:
وَولّى صلى الله عليه و آله عَتّابَ بنَ أسيدٍ وعُمُرُهُ إحدى وعِشرونَ سَنَةً أمرَ مَكَّةَ وأمَرَهُ صلى الله عليه و آله أن يُصَلِّيَ بِالنّاسِ وهُوَ أوَّلُ أميرٍ صَلّى بِمَكَّةَ بَعدَ الفَتحِ جَماعَةً.[١]
ثمّ التفت صلى الله عليه و آله لعتّاب مُبيّناً له خطورة هذه المسؤولية قائلًا:
«يا عَتّابُ تَدري عَلى مَنِ استَعمَلتُكَ؟! استَعمَلتُكَ عَلى أهلِ اللَّهِ عَزَّوجَلَّ، ولَو أعلَمُ لَهُم خَيراً مِنكَ استَعمَلتُهُ عَلَيهِم».[٢]
وكان من الطبيعي أن يثير مثل هذا القرار حفيظة وجهاء مكّة وكبرائها، فكتب النّبي صلى الله عليه و آله كتاباً طويلًا توقّياً لاعتراضهم جاء في آخره:
ولا يَحتَجَّ مُحتَجٌّ مِنكُم في مُخالَفَتِهِ بِصِغَرِ سِنِّهِ فَلَيسَ الأَكبَرُ هُوَ الأَفضَلَ، بَلِ الأَفضَلُ هُوَ الأَكبَرُ.[٣]
هذا وقد بقي عتّاب بن أسيد والياً على مكّة إلى آخر حياة النّبي صلى الله عليه و آله، وكان حَسنِ التدبير والولاية.
[١]. السيرة الحلبية: ج ٣ ص ١٠٤.
[٢]. اسد الغابة: ج ٣ ص ٥٤٩ الرقم ٣٥٣٨.
[٣]. بحار الأنوار: ج ٢١ ص ١٢٣ ح ٢٠.