جواهر الحكمة للشباب - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٣٠٠ - ٣/ ٣٢ مالك الأشتر
تَنفِروا فَانفِروا، وإن أمَرَكُم أن تُقيموا فَأَقيموا؛ فَإِنَّهُ لا يُقدِمُ ولا يُحجِمُ ولا يُؤَخِّرُ ولا يُقَدِّمُ إلّاعَن أمري، وقَد آثَرتُكُم بِهِ عَلى نَفسي لِنَصيحَتِهِ لَكُم، وشِدَّةِ شَكيمَتِهِ عَلى عَدُوِّكُم».
وكانَت تَعليماتُهُ عليه السلام الحُكومِيَّةُ- المَشهورَةُ بِ «عَهدِ مالِكٍ الأَشتَرِ»- أعظَمَ وأرفَعَ وَثيقَةٍ لِلحُكومَةِ وإقامَةِ القِسطِ، وهِيَ خالِدَةٌ عَلى مَرِّ التّاريخِ.
وكانَ مُعاوِيَةُ قَد عَقَدَ الأَمَلَ عَلى مِصرَ، و حينَ شَعَرَ أنَّ جَميعَ خُطَطِهِ سَتَخيبُ بِذِهابِ مالِكٍ إلَيها، قَضى عَلَيهِ قَبلَ وُصولِهِ إلَيها. وهكَذَا استُشهِدَ لَيثُ الوَغى، وَالمُقاتِلُ الفَذُّ، وَالنّاصِرُ الفَريدُ لِمَولاهُ، بِطَريقَةٍ غادِرَةٍ بَعدَما تَناوَلَ مِنَ العَسَلِ المَسمومِ بِسَمٍّ فَتّاكٍ، وعَرَجَت روحُهُ المُشرِقَةُ الطّاهِرَةُ إلَى المَلَكوتِ الأَعلى.
وحَزِنَ الإِمامُ عليه السلام لِمَقتَلِهِ، حَتّى عَدَّ مَوتَهُ مِن مَصائِبِ الدَّهرِ. وأبَّنَهُ فَكانَ تَأبينُهُ إيّاهُ فَريداً؛ كَما أنَّ وُجودَ مالِكٍ كانَ فَريداً لَهُ في حَياتِهِ عليه السلام.
ولَمّا نُعِيَ إلَيهِ مالِكٌ وبَلَغَهُ خَبَرُ استِشهادِهِ المُؤلِمِ، صَعِدَ المِنبَرَ، وقالَ:
«ألا إنَّ مالِكَ بنَ الحارِثِ قَد قَضى نَحبَهُ، وأوفى بِعَهدِهِ، ولَقِيَ رَبَّهُ، فَرَحِمَ اللَّهُ مالِكاً! لَو كانَ جَبَلًا لَكانَ فِنداً[١]، ولَو كانَ حَجَراً لَكانَ صَلداً.
لِلّهِ مالِكٌ! وما مالِكٌ! وهَل قامَتِ النِّساءُ عَن مِثلِ مالِكٍ! وهَل مَوجودٌ كَمالِكٍ!».
ومُعاوِيَةُ الَّذي كانَ فَريداً أيضاً في خُبثِ طَوِيَّتِهِ ورَذالَتِهِ وضَعَتِهِ وقَتلِهِ لِلفَضيلَةِ، طارَ فَرِحاً بِاستِشهادِ مالِكٍ، ولَم يَستَطِع أن يُخفِيَ سُرورَهُ، فَقالَ
[١]. الفِنْد من الجبل: أنفه الخارج منه. وقيل: هو المُنفَرد من الجبال( النهاية: ج ٣ ص ٤٧٥).