جواهر الحكمة للشباب - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٩٩ - ٣/ ٣٢ مالك الأشتر
مَكيدَتِهِ، فَأَسرَعَت جُموعٌ مِن جَيشِ الإِمامِ- وهُمُ الَّذينَ سَيُشَكِّلونَ تَيّارَ الخَوارِجِ- ومَعَهُمُ الأَشعَثُ إلى مُؤازَرَتِهِ، فَازدادَ الطّينُ بِلَّةً بِحَماقَتِهِم.
وهكَذا جَعَلُوا الإِمامَ عليه السلام في وَضعٍ حَرِجٍ لِيَقبَلَ الصُّلحَ، ويُرجِعَ مالِكاً عَن مَوقِعِهِ المُتَقَدِّمِ في مَيَدانِ الحَربِ. وكانَ طَبيِعيّاً في تلكَ اللَّحظَةِ المَصيِريَّةِ الحاسِمَةِ العَجيبَةِ أن يَرفُضَ مالِكٌ، ويَرفُضَ مَعَهُ الإِمامُ عليه السلام أيضاً، لكِن لَمّا بَلَغَهُ أنَّ حَياةَ الإِمامِ في خَطَرٍ، عادَ بِروحٍ مَلَأَها الحُزنُ وَالأَلَمُ، فَأَغمَدَ سَيفَهُ، ونَجا مَعاوِيَةُ الَّذي أوشَكَ أن يَطلُبَ الأَمانَ مِن مَوتٍ مُحَقَّقٍ، وخَرَجَ مِن مَأزَقٍ ضاقَ بِهِ!
وشاجَرَ مالِكٌ الخَوارِجَ وَالأَشعَثَ، وكَلَّمَهُم في حَقيقَةِ ما حَصَلَ، وأنبَأَهُم بِما يَملِكُ مِن بَصيرَةٍ وبُعدِ نَظَرٍ، أنَّ جَذرَ تَقَدُّسِهِم يَكمُنُ في تَمَلُّصِهِم مِنَ المَسؤولِيَّةِ، وشَغَفِهِم بِالدُّنيا.
و حينَ اقتَرَحَ الإمامُ عليه السلام عَبدَ اللَّهِ بنَ عَبّاسٍ لِلتَّحكيمِ ورَفَضَهُ الخَوارِجُ وَالأَشعَثُ، اقتَرَحَ مالِكاً، فَرَفَضوهُ أيضاً مُصِرّينَ عَلى يَمِانيَّةِ الحَكَمِ، في حينٍ كانَ مالِكٌ يَمِانيَّ المَحتِدِ، وهذا مِن عَجائِبِ الامورِ!
وعادَ مالِكٌ بَعدَ صِفّينَ إلى مُهِمَّتِهِ. ولَمَّا اضطَرَبَت مِصرُ عَلى مُحَمَّدِ بنِ أبي بَكرٍ وصَعُبَ عَلَيهِ أمرُها وتَمَرَّدَ أهلُهَا، انتَدَبَ الإِمامُ عليه السلام مالِكاً ووَلّاهُ عَلَيها. وكانَ قَد خَبَرَ كِفاءَتَهُ، ورِفعَتَهُ، واستِماتَتَهُ، ودَأبَهُ، ووَعيَهُ، وخُبرَتَهُ فِي العَمَلِ، فَكَتَبَ إلى أهلِ مِصرَ كِتاباً يُعَرِّفُهُم بِهِ، قالَ فيهِ: «...
بَعَثتُ إلَيكُم عَبداً مِن عِبادِ اللَّهِ، لا يَنامُ أيّامَ الخَوفِ، ولا يَنكُلُ عَنِ الأَعداءِ ساعاتِ الرَّوعِ، أشَدَّ عَلَى الفُجّارِ مِن حَريقِ النّارِ، وهُوَ مالِكُ بنُ الحارِثِ أخو مَذحِجٍ، فَاسمَعوا لَهُ وأطيعوا أمرَهُ فيما طابَقَ الحَقَّ؛ فَإِنَّهُ سَيفٌ مِن سُيوفِ اللَّهِ، لا كَليلُ الظُّبَةِ ولا نابِي[١] الضَّريبَةِ؛ فَإِن أمَرَكُم أن
[١]. يقال: نَبا حدُّ السَّيف: إذا لم يَقْطَع( النهاية: ج ٥ ص ١١).