جواهر الحكمة للشباب - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ٢٥٥ - ٣/ ١ أبوذر الغفاري
المُصطَنَعَةِ، وقَدَحَ فِي الخَليفَةِ وتَوجيهِ كَعبِ الأَحبارِ لِأَعمالِهِ ومُمارَساتِهِ.
فَقامَ الخَليفَةُ بِنَفيِ صَوتِ العَدالَةِ هذا إلَى الشّامِ الَّتي كانَت حَديثَةَ عَهدٍ بِالإِسلامِ، غَيرَ مُلِمَّةٍ بِثَقافَتِهِ.
ولَم يُطِقهُ مُعاوِيَةُ أيضاً؛ إذ كانَ يَعيشُ فِي الشّامِ كَالمُلوكِ، ويَفعَلُ ما يَفعَلُهُ القَياصِرَةُ، ضارِباً بِأَحكامِ الإِسلامِ عَرضَ الجِدارِ، فَأَقَضَّت صَيحاتُ أبي ذَرٍّ مَضجَعَهُ. فَكَتَبَ إلى عُثمانَ يُخبِرُهُ بِاضطِرابِ الشّامِ عَلَيهِ إذا بَقِيَ فيها أبو ذَرٍّ، فَأَمَرَ بِرَدِّهِ إلَى المَدينَةِ، وأرجَعوهُ إلَيها عَلى أسوَا حالٍ.
وقَدِمَ أبو ذَرٍّ المَدينَةَ، لكِن لا سِياسَةُ عُثمانَ تَغَيَّرَت، ولا مَوقِفُ أبي ذَرٍّ مِنهُ، فَالاحتِجاجُ كانَ قائِماً، وَالصَّيحاتُ مُستَمِرَّةً، وقَولُ الحَقِّ مُتَواصِلًا، وكَشفُ المَساوِئِ لَم يَتَوَقَّف. ولَمّا لَم يُجدِ التَّرغيبُ وَالتَّرهيبُ مَعَهُ، غَيَّرَتِ الحُكومَةُ اسلوبَها مِنهُ، وما هُوَ إلّاالإِبعادُ، لكِنَّهُ هذِهِ المَرَّةَ إلَى الرَّبَذَةِ، وهِيَ صَحراءُ قاحِلَةٌ حارِقَةٌ، وأصدَرَ عُثمانُ تَعاليمَهُ بِمَنعِ مُشايَعَتِهِ. ولَم يَتَحَمَّل أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام هذِهِ التَّعاليمَ الجائِرَةَ، فَخَرَجَ مَعَ أبنائِهِ وعَدَدٍ مِنَ الصَّحابَةِ لِتَوديعِهِ.
ولَهُ كَلامٌ عَظيمٌ خاطَبَهُ بِهِ وبَيَّنَ فيهِ ظُلامَتَهُ. وتَكَلَّمَ مَن كانَ مَعَهُ أيضاً لِيَعلَمَ النّاسُ أنَّ الَّذي أبعَدَ هذَا الصَّحابِيَّ الجَليلَ إلَى الرَّبَذَةِ هُوَ قَولُ الحَقِّ ومُقارَعَةُ الظُّلمِ لا غَيرُها.
وكانَ إبعادُ أبي ذَرٍّ أحَدَ مُمَهِّداتِ الثَّورَةِ عَلى عُثمانَ. وذَهَبَ هذَا الرَّجُلُ العَظيمُ إلَى الرَّبَذَةِ رَضِيَّ الضَّميرِ؛ لِأَنَّهُ لَم يَتَنَصَّل عَن مَسؤولِيَّتِهِ في قَولِ الحَقِّ، لكِنَّ قَلبَهُ كانَ مَليئاً بِالأَ لَمِ؛ إذ تُرِكَ وَحدَهُ، وفُصِلَ عَن مَرقَدِ حَبيبِهِ رَسولِ اللَّهِ صلى الله عليه و آله.