تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٠١ - ٦٩٦٤ ـ محمد بن محمد أبو حامد الطوسي ، المعروف بالغزالي الفقيه الشافعي
درجته لا يصفي نظره إلى الغزالي سترا [١] لإنافته عليه في سرعة [٢] العبادة ، وقوة الطبع ، ولا يطيب له تصدّيه للتصانيف ، وإن كان منتسبا إليه ، كما لا يخفي من طباع البشر ، لكنه يظهر التبجح به والاعتداد بمكانه ظاهرا خلاف ما يضمره [٣] ثم بقي كذلك إلى انقضاء أيام الإمام ، فخرج من نيسابور وصار إلى المعسكر ، واحتل من مجلس نظام الملك محل القبول ، وأقبل عليه الصاحب لعلو درجته وظهور اسمه ، وحسن مناظرته ، وجري عبارته ، وكانت تلك الحضرة محط [٤] رحال العلماء ، ومقصد الأئمة والفصحاء [٥] ، فوقعت للغزالي اتفاقات حسنة من الاحتكاك بالأئمة ، وملاقاة الخصوم اللد ومناظرة الفحول ومناقرة الكبار ، فظهر اسمه في الآفاق ، وارتفق بذلك أكمل الارتفاق ، حتى أدّت الحال به إلى أن رسم للمصير إلى بغداد للقيام بالتدريس بالمدرسة الميمونة النّظّامية بها ، فصار إليها وأعجب الكل بتدريسه ومناظرته ، وما لقي مثل نفسه ، وصار بعد إمامة خراسان إمام العراق ، ثم نظر في علم الأصول وكان قد أحكمها فصنّف فيها تصانيف وحرر [٦] المذهب في الفقه فصنّف فيه تصانيف ، وسبك الخلاف فحرر فيه أيضا تصانيف ، وعلت حشمته ودرجته في بغداد حتى كان يغلب حشمة الأكابر والأمراء ، ودار الخلافة ، فانقلب الأمر من وجه آخر ، وظهر عليه بعد مطالعة العلوم الدقيقة وممارسة الكتب المصنّفة فيها طريق التزهّد والتألّه ، وترك الحشمة وطرح ما نال من الدرجة والاشغال بأسباب التقوى ، وزاد الآخرة ، فخرج عما كان فيه ، وقصد بيت الله تعالى ، وحجّ ، ثم دخل الشام وأقام في تلك الديار قريبا من عشر سنين يطوف ويزور المشاهد المعظمة ، وأخذ في التصانيف المشهورة التي لم يسبق إليها مثل : «إحياء علوم الدين» ، والكتب المختصرة منها مثل : «الأربعين» وغيرها من التي من تأمّلها علم محل الرجل من فنون العلم ، وأخذ في مجاهدة النفس ، وتغيير الأخلاق وتحسين الشمائل ، وتهذيب المعاش ، فانقلب شيطان الرعونة ، وطلب الرئاسة ، والجاه والتخلق بالأخلاق الذميمة [٧] ، إلى سكون النفس ، وكرم الأخلاق ، والفراغ عن الرسوم والترغيبات والتزيي بزيّ الصّالحين وقصر الأمل ،
[١] تقرأ بالأصل و «ز» : «سرا» والمثبت عن المختصر.
[٢] بالأصل : «وسرعة العبادة» والمثبت عن «ز».
[٣] تحرفت بالأصل إلى : «يضره» والمثبت عن «ز».
[٤] تحرفت في المختصر إلى : محل.
[٥] في «ز» : والعظماء.
[٦] من هنا إلى قوله : وسبك ، سقط من «ز».
[٧] كذا بالأصل ، وفي «ز» : الأخلاق العظيمة.