تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٩٩ - ٧٠٠١ ـ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة ابن كلاب بن مرة بن كعب أبو بكر القرشي الزهري
ابن شهاب قال [١] : أصاب أهل المدينة حاجة زمان فتنة عبد الملك بن مروان ، فعمّت أهل البلد ، فقد خيّل إليّ أنه قد أصابنا [٢] أهل البيت من ذلك ما لم يصب أحدا من أهل البلد ، وذلك لخبرتي بأهلي ، فتذكرت هل من أحد أخرج إليه ، ثم قلت : إنّ الرزق بيد الله ، ثم خرجت حتى قدمت دمشق ، فوضعت رحلي ، ثم غدوت إلى المسجد ، واعتمدت إلى أعظم مجلس رأيته في المسجد وأكثر أهلا ، فجلست إليهم [٣] ، فبينا نحن على ذلك إذ خرج رجل من عند عبد الملك بن مروان كأحسن الرجال وأجمله ، وأحسنه هيأة ، فأقبل إلى المجلس الذي أنا فيه ، فتحثحثوا له حتى أوسعوا له ، فجلس ، ثم قال : لقد جاء أمير المؤمنين اليوم كتاب ما جاءه مثله منذ استخلفه الله ، قالوا : وما هو؟ قال : كتب إليه عامله بالمدينة هشام بن إسماعيل يذكر أن ابنا لمصعب بن الزبير من أمّ ولد مات ، فأرادت أمّه أن تأخذ ميراثها منه ، فمنعها عروة بن الزبير ، وزعم أنه لا ميراث لها ، فتوهم أمير المؤمنين في ذلك حديثا سمعه من سعيد بن المسيّب يذكره عن عمر بن الخطّاب في أمّهات الأولاد ، لا يحفظ أمير المؤمنين ذلك الحديث ، قال ابن شهاب : فقلت : أنا أحدثكم ، فقام إليّ قبيصة بن ذؤيب حتى أخذ بيدي ثم خرج بي حتى دخل بي الدار على عبد الملك ، ثم جاء إلى البيت الذي فيه عبد الملك ، فقال : السّلام عليكم ، فقال له عبد الملك مجيبا : وعليكم السلام ، فقال له قبيصة : أندخل [٤]؟ فقال عبد الملك : ادخل ، فدخل قبيصة ، وهو آخذ بيدي ، فقال : هذا يا أمير المؤمنين يحدّثك الحديث الذي سمعت من سعيد بن المسيّب فذكر أن عمر بن الخطّاب أمر بأمّهات الأولاد أن يقمن في أموال أبنائهن بقيمة عدل ، ثم يعتقن ، فمكث بذلك صدرا من خلافته ، ثم توفي رجل من قريش كان له ابن من [أم][٥] ولد قد كان عمر يعجب بذلك الغلام ، فمرّ ذلك الغلام على عمر في المسجد بعد وفاة أبيه بليال ، فقال له عمر : ما فعلت يا ابن أخي في أمّك؟ قال : فعلت يا أمير المؤمنين خيرا ، خيرني بين أن يسترقوا أمّي أو يخرجوني من ميراثي من أبي ، فكان ميراثي من أبي أهون علي من أن تسترق أمّي ، فقال عمر : أولست إنما أمرت في ذلك بقيمة عدل [٦] ، ما أرى رأيا ولا آمر بأمر إلّا قلتم فيه ، ثم قام فجلس على المنبر ، فاجتمع الناس إليه حتى إذا رضي من جماعتهم قال : أيها الناس ، إني
[١] رواه مختصرا الذهبي في سير أعلام النبلاء ٥ / ٣٢٨.
[٢] بالأصل : أصابها ، والمثبت عن «ز» ، وسير الأعلام.
[٣] بالأصل : أهلا ، والمثبت عن «ز».
[٤] أقحم بعدها بالأصل : فقال : اتدخل.
[٥] زيادة عن «ز» ، للإيضاح.
[٦] أقحم بعدها بالأصل : ما أرى عدل.