تاريخ مدينة دمشق - ابن عساكر - الصفحة ٢٠٢ - ٦٩٦٤ ـ محمد بن محمد أبو حامد الطوسي ، المعروف بالغزالي الفقيه الشافعي
ووقف الأوقاف على هداية الخلق ودعا بهم إلى ما يعنيهم من أمر الآخرة ، وتبغيض الدنيا والاشتغال بها على السالكين ، والاستعداد للرحيل في الدار الباقية ، والانقياد لكل من يتوسم فيه أو يشمّ فيه رائحة المعرفة أو التيقّظ لشيء من أنوار المشاهدة ، حتى مرن على ذلك ولان.
ثم عاد إلى وطنه لازما بيته ، مشتغلا بالتفكّر ، ملازما للوقت ، مقصودا نفيسا وذخرا [١] للقلوب ولكلّ من يقصده ويدخل عليه ، إلى أن أتى على ذلك مدة ، وظهرت التصانيف ، وفشت الكتب ، ولم يبد في أيامه مناقضة لما كان فيه ولا اعتراض على أحد على ما .... [٢] حتى انتهت نوبة الوزارة إلى الأجل فخر الملك جمال الشهداء ، تغمده الله برحمته ، وتزينت خراسان بحشمته ودولته ، وقد سمع وتحقق بمكان الغزالي ودرجته ، وكمال فضله وحالته وصفاء عقيدته ، ونقاء سريرته ، فتبرّك به وحضره وسمع كلامه ، فاستدعى منه أن لا تبقى أنفاسه وفوائده عقيمة لا استفادة [٣] منها ، ولا اقتباس من أنوارها ، وألحّ عليه كلّ الإلحاح ، وتشدّد في الاقتراح إلى أن أجاب إلى الخروج وحمل [٤] إلى نيسابور وكان الليث غائبا عن عرينه والأمر خافيا في مستور قضاء الله ومكنونه ، فاشتدّ عليه في التدريس في المدرسة الميمونة النظامية ـ عمّرها الله ـ فلم يجد بدّا من الإذعان للولاة ، ونوى [٥] إظهار ما اشتغل به هداية الشداة [٦] وإفادة القاصدين دون الرجوع إلى ما انخلع عنه ، وتحرّز عن رقة من طلب الجاه ومماراة الأقران ، ومكابدة المعاندين ، وكم قرع عصاه بالخلاف والوقوع فيه والطعن فيما يذره ويأتيه والسعاية به والتشنيع عليه ، فما تأثر به ولا اشتغل بجواب الطاعنين ، ولا أظهر استيحاشا بغميزة المخلطين ولقد [٧] زرته مرارا ، وما كنت أحدّس [٨] في نفسي مع ما عهدته في سالف الزمان عليه من الزعارة [٩] والجاش البأس ، والنظر إليهم بعين الازدراء ، والاستخفاف بهم كبرا وخيلاء ، واغترارا [١٠] بما رزق من البسطة في النطق ، والخاطر ،
[١] عن «ز» ، وبالأصل : ودخر.
[٢] كذا لم يكتب من الكلمة في الأصل و «ز» إلّا حرف الألف ، وبعده بياض فيهما.
[٣] بالأصل : «لاستفادة» والمثبت عن «ز».
[٤] في «ز» : وعمل.
[٥] في «ز» : ويرى.
[٦] كذا بالأصل و «ز» ، وكتب فوقها في «ز» : ضبة.
[٧] من هنا الخبر في سير أعلام النبلاء ١٩ / ٣٢٤.
[٨] بالأصل : «أحدث» والمثبت عن «ز» ، وسير الأعلام.
[٩] بالأصل و «ز» : «الذعارة» والمثبت عن سير أعلام النبلاء والزعارة بتشديد الراء ، وبتخفيف الراء : الشراسة (القاموس).
[١٠] كذا بالأصل و «ز» ، وفي سير أعلام النبلاء : واعتزازا.