شرح الرضيّ على الكافية - الأسترآباذي، رضي الدين - الصفحة ١٠١ - الاستثناء المفرغ ، حكمه ، ومتى يجوز
دخول المستثنى فيه ، ولا أن يكون بعضا معيّنا يدخل فيه المستثنى قطعا لعدم قيام قرينة ، في الأغلب ، على مثل ذلك البعض ، فلم يبق إلا جميع الجنس ، ليتحقق دخول المستثنى فيه ، وتقدير جميع الجنس جائز في غير الموجب ، نحو : ما قام إلا زيد ، لأن اشتراك جميع أفراد الجنس في انتفاء وقوع الفعل منها ، أو عليها ، ومخالفة واحد إياها في ذلك ، مما يكثر ويغلب ، وأمّا اشتراكها في وقوع الفعل منها أو عليها ومخالفة واحد إياها في ذلك ، فممّا يقلّ نحو : كل حيوان يحرك فكّه الأسفل في الأكل إلا التمساح ، ويعلم الله تعالى الّا قدم العالم أو حدوث ذاته ، ويستطيع تعالى إلا المستحيلات ، وقرأت إلا يوم كذا ، وضربته إلا بالسوط ، قال تعالى : (وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ)[١] ؛
ويمكن أن يقوم في بعض المواضع على بعض معيّن من الجنس معلوم دخول المستثنى فيه ، دليل [٢] ، كما إذا قيل لك : ما لقيت صنّاع البلد ، فتقول : لقيت إلّا فلانا ؛ لكن الأغلب ، عدم التفريغ في الموجب ، ويجوز التفريغ في موجب مؤوّل بالنفي ، كما في قوله تعالى : (فَأَبَىٰ أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا)[٣] ،
فإذا تقرر هذا قلنا : إن المستثنى منه لمّا حذف لقيام القرينة ، والمنسوب إليه كان هو المستثنى منه ، مع المستثنى وآلة الاستثناء [٤] وكان المستثنى منه ، كما تقدم ، أولى بأن يعرب بما يقتضيه العامل ، لكونه جزءا أوّل ، صار المستثنى متعّينا لقبول ما اقتضاه العامل من الاعراب ، إذ لم يبق من أجزاء المنسوب إليه القابلة للإعراب غيره ؛
فعلى هذا ، سقط الاعتراض بأنه كيف يسند الفعل المنفي في : ما قام إلا زيد ، إلى الفاعل المراد وقوع الفعل منه؟ ؛ لأنه ليس تمام المسند إليه في الحقيقة ، في نحو : ما قام إلا زيد ، كما لم يكن القوم ، تمام المسند إليه في : ما قام القوم إلا زيدا ، بل كل واحد
[١] الآية ١٦ سورة الأنفال
[٢] فاعل يقوم في قوله ويمكن أن يقوم.
[٣] الآية ٨٩ سورة الإسراء
[٤] إشارة إلى ما اختاره في أول باب المستثنى عند حل الإشكال الوارد على معنى الاستثناء ،