عصر الشيعة - الكوراني العاملي، علي - الصفحة ١٣٧
نشأ الشيخ الصدوق في بيت علم وتربى في أحضان فضيلة ، فقد كان أبوه علي بن الحسين بن موسى بن بابويه شيخ القميين في عصره ومتقدمهم وفقيههم وثقتهم . وعاش شيخنا الصدوق في كنف أبيه وظل رعايته نيفاً وعشرين سنة ، ينهل من معارفه ويستمد من فيض علومه ويقتبس من أخلاقه وآدابه . وكانت بلدة قم إحدى مراكز العلم يومئذ ، تعج بالعلماء وحملة الحديث ، وكانت مهبط شيوخ الرواية ، يقصدونها من شتى ديار الإسلام .
وقد أكثر الشيخ الصدوق من مجالسة العلماء في قم والسماع منهم والرواية عنهم ، أمثال الشيخ محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد ، وحمزة بن محمد بن أحمد بن جعفر بن محمد بن زيد بن علي ، وغيرهما .
وفي مثل هذه الأجواء ، بدت في شيخنا الصدوق ملامح النبوغ والرقي ، وذلك بدعاء الإمام ( ٧ ) ، ولم تمض برهة حتى أصبح آية في الحفظ والذكاء ، ففاق أقرانه وطار صيته ، حتى أشير إليه بالبنان .
وكان عصر الصدوق ( قدس سره ) عصر حكم آل بويه الديلميين المعروفين بحسن خدمتهم لأهل العلم وإكرامهم وتبجيلهم ، وقد حكموا من سنة ٣٢١ - ٤٤٧ وكانت الدولة العبيدية الفاطمية في شمال أفريقيا ( ٢٩٦ - ٥٦٧ ) والحمدانية في الموصل وبلاد الشام ( ٣٣٣ - ٣٩٤ ) .
* *
غادر الصدوق ( رحمه الله ) بيئته وطاف البلاد ورحل إلى الأمصار ، وتتابعت أسفاره في أمهات الحواضر العلمية آنذاك ، واجتمع في تلك الرحلات مع مشيخة العلم والحديث ممن كانت تشد إليهم الرحال لتحمُّل الرواية والعلم ، فقد سافر إلى