دروس في أصول الفقه(الحلقة الثالثة) - الأشكناني، محمد حسين - الصفحة ٣٣٨
إشكال في المقام الثاني:
قد يقال إن سيرة العقلاء على حجية قول اللغوي يكون عندهم بلحاظ أن هذه الحجية تكون في كل أمر و حكم و عند كل آمر و حاكم بما فيهم الشارع، فهم يتخيلون أن سيرتهم في أحكامهم يرضى الشارع بتطبيقها على أحكامه، فتكون هذه السيرة مُضِرّة بتشريعات الشارع إذا لم يكن قد جعل الحجية لقول اللغوي، فلا بد أن يردعهم عن الاعتماد على حجية قول اللغوي في أحكامه.
جواب الإشكال:
إن كون قول اللغوي حجة و منجزا و معذرا بالنسبة إلى حكم إنما يجعله جاعل ذلك الحكم بالنسبة إلى مأموره و مكلَّفه، كما يجعل الأب أمارة معيَّنة حجة بينه و بين أبنائه بلحاظ أغراضه التشريعية التي يطلبها منهم و لا يجعل هذه الأمارة حجة بالنسبة إلى الآباء الآخرين مع أبنائهم، فالحجية المتبانَى عليها عقلائيا إنما هي في حدود الأغراض التشريعية لأصحاب البناء أنفسهم، فلا يضرّ الشارع ذلك و لا يمتدّ إلى تشريعاته.
تصحيح الاستدلال بالسيرة العقلائية:
يمكن تصحيح الاستدلال بالسيرة العقلائية على العمل بالأمارات الظنية على حجيتها بالمعنى الأصولي لوجود نكتة إضافية، و ذلك بأن يقال إنها تمسّ الشارع و تضرّه لأن هذه السيرة بسبب عادة العقلاء سوف يُجْرَى على طبقها حتى في مجال الأغراض التشريعية لمولى لم يساهم في تكوين تلك السيرة، و يظن العقلاء و لو بارتكاز ذهني خاطئ أن مؤداها مورد اتفاق الجميع بما فيهم الشارع، لذلك فلو لم يرض الشارع عن تلك السيرة لوجب عليه الردع عنها، و طالما أنه لم يردع عنها فمعنى ذلك أنه راضٍ عنها، فيكون السكوت حينئذ كاشفا عن الإمضاء.