المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٨٥ - الفصل الثاني في حجية قول اللغويين
أما ما ذكره بعض الأعاظم قدس سره من اختصاص بناء العقلاء في الرجوع إلى أهل الخبرة بما إذا حصل الوثوق بقولهم ، وهو لا يحصل من قول اللغويين .
فإن أراد به اعتبار حصول الوثوق الشخصي فهو غير ظاهر من سيرة العقلاء على الرجوع لأهل الخبرة .
وإن أراد به أن قول اللغويين ليس من شأنه أن يوجب الوثوق نوعا بنحو يصح التعويل عليه عند العقلاء . فلعله راجع إلى ما ذكرنا .
ثم إن سيدنا الأعظم قدس سره قد استشكل في الاستدلال المذكور : بأن الرجوع إلى أهل الخبرة إنما هو في الأمور الحدسية المبنية على الاجتهاد وإعمال النظر ، وليس منها تعيين معنى اللفظ ، حيث يكون الاستناد فيه على المقدمات القريبة من الحس ، فهو نظير نقل الخبر بالمعنى ، لا يدخل في باب قول أهل الخبرة بالمعنى المذكور ، بل في باب خبر الثقة ، فينبغي الاستدلال عليه بعموم قبول خبر الثقة في الاحكام ، لان خبر اللغوي وإن كان عن الموضوع ، لا عن الحكم - كالمفتي - إلا أن المراد بقبول خبر الثقة في الاحكام كل خبر ينتهي إلى الخبر عن الحكم الكلي ولو بالالتزام ، ومنه المقام ، فلا يعتبر فيه العدالة والعدد ، بخلاف الخبر عن الموضوع الصرف الذي لا يقتضي إلا الحكم الجزئي .
أقول : تعيين المعنى إنما يبتني على الحدس القريب من الحس إذا كان مبتنيا على التبادر - كما في النقل بالمعنى ومعرفة أهل اللغة بلغتهم - أو كان مبنيا على استفاضة النقل من أهل اللسا وتسالمهم . أما لو كان مبنيا على استنباط المعنى من الاستعمالات بعد التأمل فيها ، وتمييز حقائقها من مجازاتها ، وتعيين الخصوصيات الاستعمالية من الخصوصيات الوضعية ونحو ذلك ، كما هو الحال في المفاهيم ذات الحدود الخفية ، فهو مبني على الحدس والاجتهاد الملحق لصاحبه باهل الخبرة ، كما اعترف به قدس سره .
وحجية قول أهل اللغة في الأول لا أهمية لها غالبا ، لغلبة تيسر معرفة