المحكم في أصول الفقه - ط مؤسسة المنار - الحكيم، السيد محمد سعيد - الصفحة ١٧٧ - حجية ظواهر الكتاب
وليس معنى لزوم أخذه منهم عليهم السلام دون غيرهم إلا أخذ ما احتاج إلى التأويل والتفسير ، لا أخذ ما هو ظاهر بنفسه ، إذ الظاهر يصل بنفسه عرفا بلا حاجة لان يؤخذ من أحد كما أن إرثه ليس إلا بإرث ما اختص بالنبي صلى الله عليه وآله من علمه وخفي على الناس ، ولا يشمل مثل الظواهر التي تظهر لعموم الناس .
ومنه يظهر حال الطائفة الثالثة ، فإن الأمور المذكورة فيها لا تنافي حجية ظواهر القرآن ، لعدم ابتناء العمل بها على التفسير والتأويل ، ولا على القول فيه بغير علم ، وليس هو من انتزاع الآية ، ولا من ضرب بعض القرآن ببعض ، لظهورهما في ابتناء أخذ المعنى على التكلف والعناية أو التحكم .
ومثلها في ذلك الطائفة الرابعة ، فإن وجود الظهر والبطن والناسخ والمنسوخ وغيرها في القرآن لا ينافي حجية ظاهره بالطرق المقررة في سائر الظواهر ، نعم يمنع من الاخذ بالظهور البدوي من دون نظر في القرائن الاخر التي يكون بالنظر إليها من المتشابه .
وليس معنى بعده عن عقول الرجال تعذر حصول شئ منه لهم ، بل بمعنى تعذر الوصول على تمام ما يقصد به ، كما هو ظاهر ما في مرسلة شبيب بن أنس عن الصادق عليه السلام ، قال : ( يا أبا حنيفة تعرف كتاب الله حق معرفته وتعرف الناسخ والمنسوخ ؟ قال : نعم ، قال : يا أبا حنيفة لقد ادعيت علما ، ويلك ما جعل الله ذلك إلا عند أهل الكتاب الذين أنزل عليهم . . . وما ورثك الله من كتابه حرفا ) [١] . بل هو صريح ما في رواية الاحتجاج عن أمير المؤمنين عليه السلام : ( ثم إن الله قسم كلامه ثلاثة أقسام ، فجعل قسما منه يعرفه العام والجاهل ، وقسما لا يعرفه الا من صفى ذهنه ، ولطف حسه ، وصح تمييزه ، ممن شرح الله صدره للاسلام ، وقسما لا يعلمه إلا الله وملائكته والراسخون في العلم [٢] .
[١] الوسائل ج ١٨ : ٢٩ ، باب : ٦ من أبواب صفات القاضي حديث : ٢٧ .
[٢] الوسائل ج ١٨ : ٤٣ ، باب ١٣ من أبواب صفات القاضي حديث ٤٤ .