الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٩
اما الشهب فقال تعالى إِنَّا زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِزِينَةٍ الْكَواكِبِ وَ حِفْظاً مِنْ كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ، لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلى وَ يُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جانِبٍ دُحُوراً وَ لَهُمْ عَذابٌ واصِبٌ إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ، فانه سبحانه في مقام الامتنان على عبيده بأنه زيّن لهم هذه السماء الدانية اليهم و هو الاولى بزينة الكواكب الظاهرة المشاهدة و حفظها من صعود الشياطين اليها بانهم اذا صعدوا اليها لاستماع ما تقوله الملائكة قذفوهم بالشهب من كل جانب من جوانب السموات دحورا أي طردا، و لهم عذاب في القيامة واصب أي دائم، الا من خطف الخطفة و التقدير انهم لا يسمعون الى الملائكة الا من وثب الوثبة الى قريب من السماء لتسلب السماع بسرعة فأتبعه شهاب ثاقب أي فلحقته نار محرقة، و قد اوضح في موضع آخر عن رؤيتنا لتلك الشهب فقال الا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين لانهم كانوا يسترقون السمع و يستمعون الى كلام الملائكة و يلقون ذلك الى ضعفة الجن و كانوا يوسوسون بها في قلوب الكهنة و يوهمونهم انهم يعرفون الغيب، و قد كان الشيطان بعد ان طرد الى الارض يصعد الى السموات و يطلّع على ما في عالم الملكوت فلما ولد عيسى ٧ منع عن ما فوق السماء الرابعة، و لما ولد النبي ٦ منع من السموات كلها فهذه الشهب المشاهدة هي النيران السماوية التي تطرد الملائكة بها الشياطين المخترقة للسمع.
و قد رام بعض المتكلفين التوافق بين هذا و بين قول الفلاسفة السابق بأن يكون احتراق تلك الاجرام مقارنة لصعود الشياطين و رمى الملائكة لهم، و لا يخفى انه صلح من غير تراضي الخصمين مع ان مفاسده مما لا تحصى كثرة، و اما السحاب فهو مخلوق من مخلوقاته سبحانه لا يصال الارزاق الى عباده، و لها مكان خاصّ تستقرّ فيه فاذا اراد اللّه سبحانه ان يحملها المياه امر الملائكة المؤكلين بها فيسوقونها الى البحر على مقدار احتياج العباد، و ميكائيل ٧ على البحر فيكيل لها الماء و يأمرها بالمسير الى المكان الذي يريده، و يجعل مع كل سحابة ملكا يسوقها، و هو اصغر من الزنبور و اكبر من الذبابة، و في يده سوط يسوقها فالرعد صوته و البرق سوطه، و قد شاهدنا نحن و غيرها من السحاب نوعا من الشعور، و هو انه ربما استقر و سكن على رؤوس الجبال اما في ذهابه او ايابه فاذا اتى الانسان نحوه و قرب اليه ارتفع من بين يديه سريعا حتى انه ربما اصطادوه كما يصطادون الحيوانات، و ذلك انهم يجعلون كلابا في راس جبل طويل و يحفرون لهم حفائر في رؤوس الجبال فيخفون انفسهم فيها، فاذا وقع السحاب على الجبال خرجوا بسرعة من الحفيرة، فاذا ارتفع رموه بذلك الجبل فيعلق بالكلاب منه قطعة تنعزل من السحابة فيأخذونها لمصالح كثيرة، و قد رأيناها على هيئة بيت الزنبور لاجل ان تكون غربالا للمطر حتى يقع متقاطرا و الا خرّب البلاد التي وقع فيها كما في وقت طوفان نوح ٧، و يجوز ان يكون ذلك الاحساس للملك الموكل بالسحابة فتأمل.