الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٧٤
و اما قياس منصوص العلة فقد تكون القرآن الحالية قائمة على دخول الفرد الغير المذكور في الحكم المذكور و يكون المذكور من قبيل اللفظ العام المتناول لغير المذكور و حينئذ فدلالته عليه كالاول و قد لا يكون كذلك فلا يدلّ عليه بهذا الدليل، بل يحتاج الى دليل خاص و الا رجع فيه الى الاصل اذا عرفت هذا ظهر ان الشيطان قد غلط في هذا القياس من اصله، و جعله قياس اولوية و ذلك لان جوهر النار و ان كان في طبعه طلب المحيط وجهة العلو الا ان علوه غير دائم و ذلك ان النور انما تشبّ في الحوى لحظة ثم تجمد بخلاف التراب، فانه و ان كان فب طبعه طلب الهبوط، الا ان اللّه تعالى بسبب هذا التواضع منه اودعه اسرار حكمته و جعله مادة لخلق انبيائه و حججه و معدنا للمعادن و محلا للنبات و الرياحين و حلّاه حلية لم يحل بها غيره من العناصر.
فان قلت الشيطان مع طول عبادته و كثرتها في السموات حتى أنه روى انه عبد اللّه ستة آلاف سنة إما من سني الدنيا أو من سني الاخرة فكيف ابى عن هذا التكليف الخاص مع قبوله لغيره و كيف خلّاه اللّه و نفسه و لم يمنحه الالطاف الالهية، التي تمنعه عن ارتكاب المعصية كما عصم غيره من الملائكة مع ان العبادة التي صدرت منه قبل العصيان ازيد من عبادة الملائكة، حتى انه صار من رؤساء الملائكة و طاووسهم و كان يجلس على كرسي في السموات و الملائكة تقف امامه تعظيما فكيف لم يعصمه اللّه تعالى عن ارتكاب مثل هذا.
قلت قد خاجلتني هذه الشبهة برهة من الزمان حتى اطلعني شيخنا صاحب بحار الانوار على اخبار تحلّ هذه الشبهة و حاصلها ان الشيطان كما تحققت قد كان من جملة الجان الذين كانوا في الارض فلما ارسل اللّه سبحانه الملائكة اليهم بالسيوف قتلوهم و نفوهم من الارض، فبقى هذا الملعون فأظهر للملائكة انه من الطائفة المؤمنين، فقال للملائكة قتلتم اهلي و طوائفي و انا بقيت وحيدا فخذوني معكم الى السموات لا عبد اللّه تعالى معكم فأستأذنوا في هذا فأذن لهم فلما بلغ السموات و طاف بها إطّلع على الالواح السماوية و الدفاتر الالهية، فقرأ في بعضها ان اللّه سبحانه لا يضيع عمل عامل بل من عمل و اراد الدنيا اعطاه اللّه منها، و من عمل و اراد الاخرة بلّغه اللّه مناه كما قال سبحانه و مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَ مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيا نُؤْتِهِ مِنْها وَ ما لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ، فاضمر في نفسه الخبيثة ان الاخرة مؤخرة و الدنيا معجلة فقصد حرث الدنيا من تلك العبادة الكثيرة و لما علم انه قد استتم نصيبه من الدنيا بادر الى اظهار ما قصده فأظهره في الاستكبار عن السجود و لو انه قصد اللّه سبحانه بتلك العبادة، بل و اقلّ منها لما خلّى و نفسه بل كان قد تداركته الالطاف الالهية، و قد كان له مرتبة في العلم لا يدانى فيها لان علمه كان من الملكوت.