الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٨٦
ما ورد من ذلك فسبيله الحمل على التقية و قد روى علي بن الجهم حديثا طويلا عن الرضا ٧ ايضا و فيه نوع مغايرة لهذه الاجوبة و زيادات في السؤال و الجواب، منها قول المأمون فأخبرني عن قول اللّه تعالى وَ لَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَ هَمَّ بِها لَوْ لا أَنْ رَأى بُرْهانَ رَبِّهِ، فقال الرضا ٧ لقد همت به و لو لا ان رأى برهان ربه لهمّ بها كما همت به لكنه كان معصوما و المعصوم لا يهمّ بذنب و لا يأتيه، فقال المأمون للّه درك يا ابا الحسن فأخبرني عن قول اللّه تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَ ما تَأَخَّرَ قال الرضا ٧ لم يكن أحد عند مشكري مكة اعظم ذنبا من رسول اللّه ٦ لانهم كانوا يعبدون من دون اللّه ثلثمائة و ستين صنما، فلما جائهم ٦ بالدعوة الى كلمة الاخلاص كبر ذلك عليهم و عظم، و قالوا أجعل الالهة إلها واحدا ان هذا لشيء عجاب فلما فتح اللّه على نبيه ٦ مكةّ قال يا محمد إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك اللّه ما تقدم من ذنبك و ما تأخر عند مشركي اهل مكة بدعائك الى توحيد اللّه فيما تقدم و ما تأخر، فقال المأمون لقد شفيت صدري يا ابن رسول اللّه و اوضحت لي ما كان ملتبسا فجزاك اللّه عن انبيائه و عن الاسلام خيرا.
و حاصل جوابه ٧ هيهنا عن حكاية يوسف جواب الشرط محذوف، و التقدير لو لا ان رأى برهان ربه لهمّ بها كما همّت به لكنه رأى البرهان فلم يهمّ بها و البرهان هو الالطاف الالهية و التوفيقات السبحانية، و يجوز ان يكون كلامه ٧ اشارة الى ان الجواب مقدّم على الجزاء كما ذهب اليه بعضهم لكن المحققون على عدم جوازه فمن ثمّ كان الاول هو الاولى، و حاصل الجواب عن مقدمة كون فتح مكة سببا لغفر ان الذنب ما ذكره اصحاب السير انّ المشركين كانوا يقولون ان مكن اللّه محمدا من بيته و حكمّه في حرمه تبيّنا انه نبي حق، فلما يسّر له فتح مكة دخلوا في دين اللّه افواجا و اذعنوا بنبوته كما نطق به الكتاب العزيز، و زال انكارهم عليه في الدعوة الى ترك عبادة الاصنام، و صار ذنبه مغفورا كما قررّه الامام ٧ و قد اجاب المفسرون عن هذه الشبهات بأجوبة لا يخلو بعضها من تكلّف لكن الجواب الاصح هو ما صدر عن ارباب العصمة عليهم السّلام و قد يظهر من تعمق النظر في الاخبار و تتبع كتب خواص الائمة الاطهار عليهم السّلام جواب عن هذه الشبهات كلها، و لكن فيه نوع دقة.
و حاصله ان اللّه سبحانه قد اسمع الشيطان اولا ان عبادي ليس لك عليهم سلطان و كذا اعترف الشيطان ايضا بتصديق هذا المعنى، حيث قال لاغوينهم اجمعين الا عبادك منهم المخلصين و آدم و من تلاه من الانبياء عباد مخلصون مطهّرون منزّهون فالشيطان ليس له عليهم تسلط، و لكن اللّه سبحانه يحب تضرع العباد اليه و بكائهم من خشيته، و هذه المحبة تتفاوت بتفاوت مراتب العباد و اكملهم الانبياء عليهم السّلام، و كلّ امر يحتاج الى سبب وداع حتى يكمل ذلك السبب فهو سبحانه قد يترك احدهم مع نفسه البشرية لحظة واحدة فيحصل معه بمقتضى الطبيعة البشرية فعل