الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ٢٢٨
و حكى ان بعد المسيح ٧ بزمان كثير ظهر في السماء نار مضطربة من ناحية القطب الشمالي و بقيت السنة كلها و كانت الظلمة تغشى العالم من تسع ساعات من النهار الى الليل حتى انه لم يكن أحد يبصر شيئا و كان ينزل من الجو شبه الهشيم[١] و الرماد و اذا كان البحار غليظا او كثيفا جدا تعلّق به النار تعلقا ما فيحدث في الجو علامات سود او حمر على حسب غلط المادة، فاذا كانت غليظة ظهرت الحمرة و اذا كانت اغلظ ظهر السواد، و قد تقف الذوابات و نحوها تحت كوكب فيدبرها الفلك معه مشايعة اياه فيرى كأن لذلك الكوكب ذوابة او ذنبا او قرنا، و ان اتصل الدخان بالارض تشتعل النار فيه نازلة الى الارض و يسمى الحريق و اما اسباب الهوى فقد ذكروا فيه ان الدخان قد ينكسر حرّه عند الوصول الى الكرة الزمهريرية فيرجع بطبعها الى الارض، و قد لا ينكسر و حينئذ يصعد و يصادم كرة النار فيرجع و يمتدّ بمصادمة كرة النار المتحركة بحركة الفلك رجوعا الى جهات مختلفة فيتموج الهواء و يضطرب و هو الريح، و الريح كما يحدث بهذا يحدث ايضا بان يتخلل الهواء فيندفع عن مكانه بواسطة عظم مقداره فيدافع ما يجاوره فيطاوعه و يدافع ذلك المجاور ايضا، فيتموج الهوى و يتضعف تلك المدافعة شيئا فشيئا الى غاية ما فيقف، و قد تحدث رياح مختلفة الجهة دفعة فتدافع تلك الرياح الاجزاء الارضية فتنضغط الارضية بينها مرتفعة كأنها تلوى على نفسها و هي الزوايع و الاعصار، و يقال له بالفارسية (كردباد).
و اما مهبّ الرياح فغير منحصرة حقيقة في عدد الا انهم جعلوا اصولها اربعة هي نقطة المشرق و المغرب و الشمال و الجنوب، و العرب تسمي الرياح التي تهب منها بالقبول و الدبور و الشمال و الجنوب، و تسمى التي تهبّ مما بينها نكبا، و هذا كله انما قال به الفلاسفة لاجل نفيهم القادر المختار، فأحالوا اختلاف الاجسام بالصور الى استعداد في موادّها يقتضي اختلاف الصور الحالة فيها، و احالوا اختلاف آثارها الى صورها المتباينة و امزجتها المخالفة، و احالوا كلّ هذا الى حركات الافلاك و اوضاعها و اما المتكلمون فقالوا الاجسام متجانسة بالذات لتركبها من الجواهر الافراد، و انها متماثلة لا اختلاف فيها و انما يعرض الاختلاف للاجسام لا في ذواتها بل بما يحصل فيها من الاعراض بفعل القادر المختار، هذا محصّل مقالتهم و هي عن الشرع بمعزل فانه قد ورد في الشريعة الغرا لكل واحد من هذه الامور اسباب من جهة القادر المختار دلّنا عليها من رأى السموات و صعد اليها و مشى فوقها و شاهدها عيانا و هو النبي الامي ٦ و لنشرع الان في بيان اسبابها من الآيات و الاخبار فنقول.
[١] الهشيم اليابس من النبيت و تهشم و تكسر هشمت الشيء كسرته.