الأنوار النعمانية - الجزائري، السيد نعمة الله - الصفحة ١٩١
الرابع و هو الذي قاله صاحب كشف الغمة و تلقته الاصحاب بالقبول و حاصله انهم عليهم السّلام اوقاتهم مستغرقة بذكره تعالى و خواطرهم متعلقة بالملك الاعلى و هم ابدا في المراقبة كما قال ٧ اعبد اللّه كأنك تراه فان لم تره (فان لم تكن ترا خ ل) فأنه يراك، فهم ابدا متوجهون اليه منقلبون بكليتهم عليه، فمتى انحطوا عن تلك المرتبة العالية و المنزلة الرفيعة الى الاشتغال بالمأكل و المشرب و التفرغ للنكاح و غيره من المباحات عدّوه ذنبا و استغفروا منه، أ لا ترى ان بعض عبيد ابناء الدنيا لو قعد يأكل و يشرب و ينكح و هو يعلم انه بمرئ من سيده و مسمع لكان ملوما عند الناس و مقصرا فيما يجب عليه من خدمة سيده و مالكهن فما ظنك بسيد السادات و مالك الاملاك و الى هذا اشار ٦ بقوله انه ليران على قلبي و اني لاستغفر اللّه بالنهار سبعين مرة، و قوله حسنات الابرار سيئات المقربين فان قلوبهم عليهم السّلام اتمّ القلوب صفاءا و اكثرها ضياء و اعرفها عرفانا و كانوا مع ذلك قد عيّنوا لترشيع الملّة فلم يكن لهم بدّ من النزول الى الرخص و الالتفات الى حظوظ النفس مع ما كانوا ممتحنين به من الاحكام البشرية فكانوا اذا تعاطوا شيئا من ذلك اسرعت كدورة ما الى قلوبهم لكمال رقّتها و فرط نورانيتها فان الشيء كلما كان ارق و اصفى كان كدورات المكدرات عليه أبين و أهدى و كانوا عليهم السّلام اذا أحسوا بشيء من ذلك عدّوه على النفس ذنبا و استغفروا منه و هذا الوجه جيّد.
الخامس ان مراتبهم عليهم السّلام بالنسبة الى المعارف اليقينية و الحقائق الالهية كانت تزداد يوما بعد يوم، مثل جدهم ٦ فانه سبحانه قد جمع له جميع الكمالات البشرية عند آخر عمره الشريف، و في مدّة عمره كانت المعرفة و الوحي يتجدد عليه فاذا ترقّوا من درجة الى درجة أعلى منها عدوّا تلك السابقة ذنبا الى هذه اللاحقة، و هذا سرّ لطيف يدرك بالتأمل.
السادس ان العبد الممكن المتلوث بشوائب العجز و التقصير قابل للتلبّس بجميع المعاصي لو لا الالطاف الالهية و حينئذ فالاعتراف بالذنب انما بالنسبة الى المادة البشرية لا بالنظر الى العصمة الالهية فانها من غيرهم فهم على حدّ الذنب (المذنب خ ل) و لكن المانع من الغير و قد اشير الى هذا في قول الصديق ٧ ان النفس لامارة بالسوء الا ما رحم ربي و ما حكاه سبحانه (من خ) في شأن حبيبه ٦ و لو لا ان ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا، و قوله ٦ اللهم لا تكلني الى نفسي طرفة عين، فقالت له بعض زوجاته لو وكّلك الى نفسك ما كنت تفعل يا رسول اللّه، قال كنت فاعلا ما فعله اخي يونس بن متى.
و روى شيخنا الكليني طاب ثراه باسناده الى الباقر ٧ قال ان اللّه عز و جل اوحى الى داود ٧ ان آت عبدي دانيال، فقل له انك عصيتني فغرفت لك و عصيتني فغفرت لك و عصيتني فغفرت لك فان عصيتني الرابعة لم اغفر لك، فأتاه داود ٧ فقال يا دنيال انني رسول اللّه اليك،