في رحاب أهل البيت: صيانة القرآن الكريم من التحريف - جمعى از نويسندگان - الصفحة ١٣ - مقدمة
و من جهة ثالثة: إنّ الحديث عن الغيب أو ما كان و سيكون لم يكن حديثاً ترفياً لا علاقة له بالواقع، و إنّما نجده ضارب في أعماق التاريخ، و تعامل معه الإنسان بصور مختلفة، بل هو همّ إنساني مشترك لا تخلو طائفة دينية أو غيرها إلّا و تناولته بطريقتها الخاصة و لم ينكره بالمرة إلّا من شذّ عن الطباع أو مَنْ له غرضٌ سياسي مشبوه.
فرغم مادية العالم الغربي و اقصائه للمنطق الإلهي، إلّا أن تراثه قد تعاطى هذا الحقل، فنبوءات نوسترا داموس (١٥٣٠ ١٥٥٦) نموذج متميز لهذا الميدان فقد تحدث هذا الرجل عن أحداث و نبوءات مستقبلية تبدأ بزمانه حتى نهاية العالم، و ما دوّنه منها في كتاب خاص له بدأ من القرن السادس عشر الميلادي حتى نهاية القرن العشرين، و لأسباب عديدة حظيت هذه النبوءات بشهرة كبيرة في جميع العالم الغربي، حيث وصل عدد طبعات هذا الكتاب الى ما يقارب الستة و عشرين طبعة باضافة أربع طبعات مزوّرة بين عامي (١٥٥٥ ١٦٤٣).
لقد تحقق ما كان ينبئ به نوسترا داموس بالدقة سواء منها الأحداث ذات الطابع الفردي أو الجماعي، كما قصّت نبوءاته أحداثاً تاريخية و سياسية و فكرية و علمية و تكنولوجية و جغرافية، كصنع الأسلحة الحديثة و اكتشاف القنبلة الذرية و استخدام الفضاء للحروب و غيرها، بل تحدث بشكل تفصيلي عن مؤامرات و اغتيالات و ثورات لا يمكن أن تخطر على ذهن أحد عاش في زمنه كاندلاع الثورة الفرنسية، و الاحتلال الفرنسي لبريته (١٦٠١) و حصار باريس و معركة واژلو ١٨ حزيران ١٨١٥ و وفاة هنري الثاني عشر من تموز ١٥٥٩ و وفاة السلطان سليم الثالث (١٨٠٧/ ٨٠٨١ (و فتوحات نابليون ٢.
و لهذا كثر الشراح لهذه التنبّؤات و كثر الاهتمام بها من القادة الكبار الذين حكموا العالم في فترة نبوءاته، بل روّجوا لها و وظّفوها كدعاية نفسية لهم.
و لذا عند ما نشبت الحرب العالمية الثانية و بلغت ذروتها و امتدت الى الأجهزة الدعائية بين المخابرات البريطانية و الألمانية وظّفت رباعيات نوسترا داموس كأحد أساليب الدعاية و الدعاية المضادة، فقد ألقى طيارو الحلفاء على المانيا رباعيات نوسترا داموس المزوّرة لما تمتلكه من بأس في نفوس العسكر.
و هذا الاسلوب قد أقرّته الرسالة الإسلامية مع الاختلاف في المنطلق و الغاية، حيث كان رسول الله (صلى الله عليه و آله) عند ما يتوجه بغزواته نحو المشركين يعد المسلمين بالنصر الإلهي، الأمر الذي كان يتعامل معه المجاهد الإسلامي بثقة مطلقة، و قد عضد ذلك القرآن الكريم حيث وعد هو الآخر بحتمية النصر في بعض الوقائع و الأحداث؛ قال تعالى: (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ) ٣ و يأتي التراث الإسلامي بأبوابه الغيبية و الكلام عن أخبار آخر الزمان و دولة الإمام المهدي المنتظر ليصب في نفس الاتجاه.
و لم يقتصر الحديث عن الغيبيات في عالم الاجتماع و العسكر، بل امتدّ الى مصائر الأفراد، فهذا نوسترا داموس يحدثنا بأبعد من ذلك فتراه يخبر حتى بآجال الحيوانات، فأراد أحد أصدقائه أن يختبر موهبة نوسترا داموس الغيبية فسأله عن مصير خنزيرين رضيعين موجودين في فناء منزل الصديق، فأجاب نوسترا داموس بأن (السينيور) الصديق سيأكل الخنزير الأسود و سيأكل الأبيض ذئب، و في حالة توجّه السينيور الصديق الى طبّاخه و أمره أن يذبح الخنزير الأبيض و يقدّمه عشاء في تلك الليلة، و هذا ما حدث، و لسوء الحظ، فقد سرق اللحم جرو ذئب مدجّن يعود لرجل السينيور، فقام الطبّاخ المذعور بذبح الخنزير الأسود و تقديمه على العشاء، و على المائدة أخبر الصديق نوسترا داموس بأنّهما كان يأكلان الخنزير الأبيض في تلك الليلة. و حينما أصرّ نوسترا داموس على أنّه إنّما كان الخنزير الأسود، أرسل في طلب الطبّاخ الذي اعترف بما جرى بالتفصيل ٤.
و في تراثنا الإسلامي إخبارات عن حوادث غيبية من هذا النوع ذات دلالات تأريخية و عقائدية. قال النبي (صلى الله عليه و آله)