الصولة الجعفرية في الرد على اللمعة البهية - كاشف الغطاء، الشيخ هادي - الصفحة ١١٠ - بحثٌ في الخلافة

العَطَب، فإنّ الإصرار على الامتناع مع اليأس من النَّجَاح إلقاءٌ للنفس في التهلُكة [لاَ يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا][١]، (وعند الضرورات تباح المحضورات)، فلا يجوز التنازل إلاّ مع الاضطرار وفقدِ الأعوان والأنصار.

والحسن بن علي سيّد العرب بعد أبيه وجدّه، وهو المعصوم من الخطأ والخطل, وأعلمُ أهل عصره بالكتاب والسنة، كيفَ يَخفى عليه حكم الله فلا يقوم بواجبه ويخلع ثوباً أَلبسه الله [على] من استعبده هواهُ وَأَسَرَتْهُ شَهَواتُه لو كانت له أنصارٌ وأعوان يحفظ بهم نفسه ويتوصَّل بهم إلى نيل حقه.

ولو فرضنا أنّ الإمامة سلطة زمنية للمرء أنْ يتخلّى عنها فلا شكَّ في أنّها من أعظمِ الأمور التي تُبذل في سبيلها الأنفسُ والأموال وتَهونُ في ظِلِّها الشدائد والمكاره، ولا يتنازل عنها مَنْ نالها، وكانت له كميراثٍ من أبيه وجدّه، وهو من حاز أعلى مرتبة في الحسب والنسب والإباء والشمم وعزة النفس والفخار لمن لا يجري منه في مضمار الفضيلة والشرف وميدان العفاف والسؤدد.

اللهم بعد اللَّتَيّا والتي، وبعدَ أنْ يبلغ السّيلُ الزُّبَى، ويتجاوزَ الحزامُ الطِّبْيَيْنِ، وإلاّ بَعْدَ تبدُّلِ الحُكمِ في حقّهِ، وسقوط التكليف عنه.

وهاك نبذةً مما جرى عليه مما يوجبُ العُذْرَ ويوضِحُ السّرَّ، مِنْ تفرُّقِ جيشِهِ عنه، وانتهابِ مُصلاّهُ من تحتِهِ، ونزعِ مَطْرَفِهِ عن عاتِقهِ، وطَعْنِ الأسديّ في فَخِذِه، وقوله: (أشركتَ يا حَسَن كما أشْرَكَ أبوكَ مِنْ قَبْلُ)[٢] ومن علمِهِ بما كتَبَه جماعةٌ من رؤساءِ القبائلِ إلى معاويةَ بالسَّمعِ والطّاعة له في السّرِّ،


[١] سورة البقرة: الآية ٢٨٦.

[٢] مقاتل الطالبيين, ص٤١. وانسلال عبيد الله بن العباس في ص٤٢.