سنن تطور الإجتماعي في القرآن الكريم - الأراكي، الشيخ محسن - الصفحة ٩٢ - ثامنا سنة الاستدراج
أَ وَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَ أَثارُوا الْأَرْضَ وَ عَمَرُوها أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوها وَ جاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّناتِ فَما كانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَ لكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ٩ ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أَساؤُا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَ كانُوا بِها يَسْتَهْزِؤُنَ[١].
فالاستدراج يعني: أنّ الأمّة الّتي تعرض عن هداية الأنبياء، وتولّي ظهرها للقيادة الإلهيّة، تبدأ في انتكاستها باستباحة الظلم الصغير، وتعصي القيادة الإلهيّة في أوامرها الّتي قد لا يبدو في الوهلة الأولى أنّها ذات خطورة عالية، وقد لا يبدو أنّها تهدّد مصير الأمّة وحياتها، وإيمانها، وطاعتها للقيادة، تهديداً أساسيّاً، فإذا اعتادت الأمّة على معصية القيادة في مثل هذه الأمور، تجرّأت على أعظم منها، ثمّ بدأ حبّ الجاه وحبّ الدّنيا بالتغلغل في قلوبها تغلغلًا تدريجياً، وببدأ حبّ الله ورسوله بالذبول والذوبان في داخلها شيئاً فشيئاً، حتّى ينتهي الأمر- تدريجيّاً- بالأمّة الّتي كانت تحب الله ورسوله حباً أشدّ من حبّها لأيّ شيء آخر وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ[٢] أن يتضاءل في أنفسها حب الله وحبّ رسوله، حتّى يعود حبّ الدنيا والجاه يطغى في داخلها على حبّ الله ورسوله، ويستمرّ تضاؤل حبّ
[١] سورة الروم: ٩- ١٠.
[٢] سورة البقرة: ١٦٥.