المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١٤٠ - كتاب العارية
صاحبها ووجه الاستحسان ان صاحبها انما يحفظ بيد هذا السائس ولو دفعها إليه لكان يدفعها إلى السائس أيضا فكذلك إذا ردها علي السائس والعرف الظاهر أن صاحب الدابة يأمر السائس بدفعها إلى المستعير وباستردادها منه إذا فرغت فيصير مأذونا في دفعها إليه دلالة ولم يوجد مثل هذا العرف في الوديعة فان صاحبها هو الذى يتولى استردادها عادة وانما أودعها لانه لم يرض بكونها في يد عياله حتى قالوا في المستعار لو كان عقد لؤلؤ فرده المستعير على عبد هو سائس دواب المعير لا يبرأ لانه في مثل هذا لا يرضى باسترداد مثلهعادة
وان استعار ثوبا ليلبسه هو فأعطاه غيره فلبس فهو ضامن لان الناس يتفاتون في لبس الثوب ولبس القصاب والدباغ لا يكون كلبس البزاز والعطار فكان هذا تقييدا مفيدا في حق صاحب الثوب فإذا ألبسه المستعير غيره صار مخالفا .
وكذلك الدابة إذا استعارها ليركبها هو لان الناس يتفاوتون في الركوب فرب راكب يروض الدابة وآخر يقتلها .
فأما إذا استعاره ولم يسم من يلبسه فأعاره غيره لم يضمن لان صاحب الثوب رضى باستيفاء منفعة اللبس من ثوبه مطلقا فسواء لبسه المستعير أو غيره لم يكن مخالفا لما نص عليه المستعير وكذلك ان كان المستعار مما لا تفاوت الناس في الانتفاع به كسكنى الدار وخدمة العبد لان تقييده هنا بنفسه غير مفيد فيكون وجوده كعدمه وهو بناء على أصلنا أن للمستعير أن يعير وعند الشافعي رحمه الله تعالى ليس للمستعير ان يعير لانه منتفع بملك الغير باذنه فلا يكون له أن يأذن لغيره في ذلك كالمباح له الطعام لا يبيح لغيره وهذا لانه يسوى غيره بنفسه فيما هو من حق الغير وانما له هذه الولاية في حق نفسه لا في حق الغير
ألا ترى أن الوكيل بالتصرف لا يوكل غيره به .
وحجتنا في ذلك ان المستعير مالك للانتفاع بهذا العين فيملك أن يعيره من غيره كالمستأجر والموصى له بالخدمة وهذا لما بينا ان المستعير يملك المنفعة بالعارية واليه أشار بعد هذا فقال ( من أعارك شيئا فقد جعل لك منفعة ذلك ) والدليل عليه انه لو قال ملكتك منفعة هذه العين كانت عارية صحيحة فإذا ثبت انه مالك للمنفعة فهو بالتمليك من الغير يتصرف في ملك نفسه ويستوى غيره بنفسه في حق نفسه وذلك صحيح بخلاف المباح له الطعام فانه لا يملك الطعام وانما يتناوله على ملك المبيح الا ان العين بقى على ملك صاحبه ففيما يتفاوت الناس في الانتفاع به لا يعيره من غيره وان كان تصرفه في ملك نفسه لدفع الضرر وذلك صحيح كما أن أحد الشريكين في العبد إذا كاتبه كان للآخر