المبسوط - محمدبن احمد شمس الائمة سرخسی - الصفحة ١١١ - كتاب الوديعة
الحنطة يطفو فعرفنا أن التمييز متعذر بهذا الطريق أيضا
وكذلك خلط الجباد بالزيوف ان كان بحيث يتعذر التمييز أو يتعسر فهو موجب للضمان على الخالط وان كان بحيث يتيسر التمييز لا يكون موجبا للضمان عليه
يقول فان لم يظهر بالخلط فقال احدهما أنا آخذ المخلوط وأغرم لصاحبي مثل ما كان له فرضى به صاحبه جاز لان الحق لهما فإذا تراضيا على شئ صح ذلك في حقهما وان أبى ذلك احدهما فانه يباع المخلوط ويقسم الثمن بينهما على قيمة الحنطة والشعير على التفسير الذى بيناه في الغصب قبل هذا الجواب .
إنما يستقيم علي قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله ورواية الحسن عن أبى حنيفة رحمهما الله في ان ملك المالك لا ينقطع عن المخلوط بل له الخيار بين الشركة في المخلوط وبين تضمين الخالط فأما علي ما هو الظاهر من مذهب أبى حنيفة المخلوط ملك للخالط وحقهما في ذمته فلا يباع ماله في دينهما لما فيه من الحجر عليه وأبو حنيفة لا يرى ذلك والاصح انه قولهم جميعا لان ملكهما وان انقطع عن المخلوط فالحق فيه باق ما لم يصل الي كل واحد منهما بدل ملكه ولهذا لا يباح للخالط أن ينتفع بالمخلوط قبل أداء الضمان فلبقاء حقهما يكون لهما أن يستوفيا حقهما من المخلوط إما صلحا بالتراضى أو بيعا وقسمة الثمن إذا لم يتراضيا علي شئ
وإذا كان عند الرجلوديعة دراهم أو دنانير أو شئ من المكيل أو الموزون فانفق طائفة منهما في حاجته كان ضامنا لما أنفق منها اعتبارا للبعض بالكل ولو لم يصر ضامنا لما بقى منها لانه في الباقي حافظ للمالك وبما أنفق لم بتعيب الباقي فان هذا مما لا يضره التبعيض فهو كما لو أودعه وديعتين فانفق احداهما لا يكون ضامنا للاخرى .
فان جاء بمثل ما أنفق فخلطه بالباقي صار ضامنا لجميعها لان ما أنفق صار دينا في ذمته وهو لا ينفرد بقضاء الدين بغير محضر من صاحبه فيكون فعله هذا خلطا لما بقى بملك نفسه وذلك موجب للضمان عليه
فان كان حين أنفق بعضها وجاء بمثله فخلط بالباقي أفتى بانه صار ضامنا لها كلها فباعها ثم جاء رب الوديعة فضمنها اياه وفى الثمن فضل قال يطيب له حصة ما خلطه بها من ماله من انفضل لانه ربح حصل على ملكه وضمانه ويتصدق بحصة الثاني من الوديعة في قول أبى حنيفة ومحمد رحمهما الله وفي قول أبى يوسف رحمه الله لا يتصدق به لانه بالضمان قد ملكه مستندا إلى وقت وجوب الضمان ولهذا نفذ بيعه فكان هذا ربحا حاصلا على ملكه وضمانه فيطب له كما في حصة ملكه وهما يقولان هذا ربح حصل له بكسب خبيث فانه ممنوع من بيع الوديعة ( ٨ مبسوط حادى عشر )