إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٨
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٢٨)
عن دليل،و هؤلاء أوجبوا الإيمان لمن أضافوا إليه المعرفة المشروطة في صحة الإيمان و إنما فروا عن الشناعة الظاهرة،فشذوا عن الجمهور بهذا الاحتمال،و زادوا على أنفسهم أنهم ألمّوا بقول من جعل المعارف كلها ضرورية،و لم يشعروا بذلك حين قالوا إنما عجزت العامة عن سرد الدليل،و تعظم العبارة عنه،و أنه لا تجب عليهم لأنهم إذا نبهوا و عرض عليهم ما قرب من الألفاظ،و اعتادوا من المخاطبات دلائل الحدوث،و وجوه الافتقار إلى المحدث بعد،لاعتقدوا و عددوا من هذه المعارف كثيرا،و وجدوا أنفسهم عارفين بذلك و اعلم أن من يقول إن المعارف كلها ضرورية،هكذا يقول:إنما افتقر الناس إلى النسبية،و لم يتمرنوا على العبارة على مواضع العلوم،و إلا فهم إذا نبهوا عليها و تلطف بهم في تفهيمها بالزوال إلى ما ألفوه من العبارات،وجدوا أنفسهم غير منكرة لما نبهوا عليه،و سارعوا إلى الفيئة،و مثال هذا كمن نسي شيئا كان معه أو إنسانا نصحه أو رآه فنسيه.و غفل عنه لأجل غيبته ثم رآه بعد ذلك فذكر،فإنه يقال بدا لأنه كان عارفا بما غاب عنه،لكنه ناس له أو غافل عنه، و لو لا عرفانه به ما وجد عدم الإنكار و سرعة الألفة عنه.و طائفة من المتكلمين أيضا أوجب لهم الإيمان مع عدم المعرفة المشروطة عند أولئك،و أي الآراء أحق بالحق و أولى بالصواب،ليس من غرضنا في هذا الموضع،و إنما غرضنا تبعيد ما أشاعه في الإحياء أهل الغلول و الإغلال،فلا يفتح مثل هذا الباب و قد أبدينا من وجه ذلك في مراقى الزلف،ما يغنى فيها بإذن اللّه عز و جل
فصل
في بيان أصناف أهل الاعتقاد
تفصيل آخر من جهة أخرى،هو من تتمة ما جرى،فلتعلم أن ما منهم صنف إلاّ و له على التقريب ثلاثة أحوال،لا يستبد أحدهم من أحدها بحكم الاعتقاد الضروري