إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٨
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٥٨)
سؤال
فإن قيل:فما معنى قول سهل رحمه اللّه تعالى:و نسب إليه للإلهية سر لو انكشف لبطلت النبوات،و للنبوات سر لو انكشف لبطل العلم،و للعلم سر لو انكشف بطلت الأحكام،و جاء في الإحياء على أثر هذا القول،و قائل هذا القول إن لم يرد به إبطال النبوة في حق الضعفاء،فما قالوا ليس بحق،فإن الصحيح لا يتناقض،و الكامل من لا يطفئ نور معرفته نور ورعه،و هذا و إن لم يكن من الأسئلة المرسومة فهو متعلق بها بما فرع من الكلام فيها آنفا،و ناظر إليه إذا ما أدى إفشاؤه إلى إبطال النبوة و الأحكام و العلم كفر فالجواب إن الذي قاله رحمه اللّه و إن كان مستعجما في الظاهر،فهو قريب المسلك باد للمتأمل الذي يعرف مصادر أغراضهم،و مسالك أقوالهم الإلهية،و من وصل إليه اليقين الذي لولاه لم يكن نبيا،لا يخلو أن يكون انكشافه من اللّه بما يطلع على القلوب من أنوار الشمس،التي هي غائبة عنها،بأن كانت القلوب ضعيفة طرأ عليها من الدهش و الاصطلام و الحيرة و التيه ما يبهر العقول،و يفقد الحس،و يقطع عن الدنيا و ما فيها،و ذلك لضعفه، و من انتهى إلى هذه الحالة فتبطل النبوة في حقه أن يعرفها،أو يعقل ما جاء من قبلها إذ قد شغله عنها ما هو أعظم لديه منها،و ربما كان سبب موته لعجزه عن حمل ما يطرأ عليه، كما حكي أن شابا من سالكي طريق الآخرة،عرض عليه أبو يزيد،و لم يره من قبل، فلما رآه انكشف له ذلك،و كان في مقام الضعفاء من المريدين،فلم يطق حمله فمات به، و إما أن يكون انكشافه من عالم به على وجه الخبر عنه فتبطل النبوة في حق المخبر،حين نهى أن لا يفشي فأفشى،أو أمر أن لا يتحدث فلم يفعل،فخرج بهذه المعصية عن طاعة النبي صلى اللّه عليه و سلم فيها،فلهذا قيل في ذلك بطلت النبوة في حقه فإن قيل:فلم لا نكفروه على هذا الوجه،إذا بطلت النبوة في حقه بإخباره قلنا:ما بطلت في حقه جميعا،و إنما بطل في حقه منها ما خالف الأمر الثابت من قبلها،و يعدّ هذا من الكلام على تغليظ حق الإفشاء،و قد سبق الكلام عليه في معنى إفشاء سر الربوبية كفر،و أما سر النبوة الذي أوجب العلم لمن رزقها،أو رزق معرفتها