إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٣
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-تعريف الأحياء ،
(صفحه ٢٠)
يوما،و أقدم فيه رجلا،و أؤخر فيه أخرى،و لا تصدق لي رغبة في طلب الآخرة،إلا حمل عليها جند الشهوة جملة،فيغيرها عشية،فصارت شهوات الدنيا تجاذبني،بسبب ميلها إلى المقام،و منادى الإيمان ينادى الرحيل الرحيل،فلم يبق من العمر إلا القليل،و بين يديك السفر الطويل،و جميع ما أنت فيه من العمل رياء و تخييل،و إن لم تستعد الآن للآخرة فمتى تستعد،و إن لم تقطع الآن هذه العلائق فمتى تقطعها،فعند ذلك تنبعث الرغبة و ينجزم الأمر على الهرب و الفرار،ثم يعود الشيطان و يقول:هذه حالة عارضة،إياك أن تطاوعها،فإنها سريعة الزوال،و إن أذعنت لها و تركت هذا الجاه الطويل العريض.
و الشأن العظيم الخالي عن التكدير و التنغيص،و الأمر السالم الخالي عن منازعة الخصوم،ربما التفتت إليه نفسك،و لا نتيسر لك المعاودة، فلم أزل أتردد بين التجاذب بين شهوات الدنيا و الدواعي،قريبا من ستة أشهر،أولها رجب من سنة ست و ثمانين و أربعمائة،و في هذا الشهر جاوز الأمر حد الاختيار إلى الاضطرار،إذ قفل اللّه على لساني،حتى اعتقل عن التدريس،فكنت أجاهد نفسي أن أدرس يوما واحدا تطبيبا لقلوب المختلفة إلىّ،فكان لا ينطق لساني بكلمة،و لا أستطيعها البتة،حتى أورثت هذه العقلة في اللسان حزنا في القلب،بطلت معه قوّة الهضم و مرى الطعام و الشراب،و كان لا تنساغ لي شربة و لا تنهضم لي لقمة،و تعدى ذلك إلى ضعف القوى،حتى قطع الأطباء طمعهم في العلاج،و قالوا هذا أمر نزل بالقلب، و منه سرى إلى المزاج،فلا سبيل إليه بالعلاج،إلا بأن يتروح السر عن الهم المهم،ثم لما أحسست بعجزي،و سقط بالكلية اختيارى،التجأت إلى اللّه التجاء المضطر الذي لا حيلة له،فأجابنى الذي يجيب المضطر إذا دعاه،و سهل على قلبي الإعراض عن المال و الجاه.
و الأهل و الأولاد،و أظهرت غرض الخروج إلى مكة،و أنا أدبر في نفسي سفر الشام حذرا من أن يطلع الخليفة،و جملة الأصحاب على غرضي في المقام بالشام.فتلطفت بلطائف الحيل في الخروج من بغداد،على عزم أن لا أعاودها أبدا،و استهزأ بي أئمة العراق كافة إذ لم يكن فيه من يجوز أن يكون الإعراض عما كنت فيه سببا دينيا،إذ ظنوا أن ذلك هو المنصب الأعلى في الدين،فكان ذلك هو مبلغهم من العلم،ثم ارتبك الناس