إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥ - الباب الثامن
أَ فَسِحْرٌ هٰذٰا أَمْ أَنْتُمْ لاٰ تُبْصِرُونَ اِصْلَوْهٰا فَاصْبِرُوا أَوْ لاٰ تَصْبِرُوا سَوٰاءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّمٰا تُجْزَوْنَ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [١] و إليهم الإشارة بقوله تعالى وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [٢]فأعلم العلماء و أحكم الحكماء ينكشف له عقيب الموت من العجائب و الآيات ما لم يخطر قط بباله،و لا اختلج به ضميره.فلو لم يكن للعاقل هم و غم إلا الفكرة في خطر تلك الحال، أن الحجاب عما ذا يرتفع،و ما الذي ينكشف عنه الغطاء من شقاوة لازمة أم سعادة دائمة، لكان ذلك كافيا في استغراق جميع العمر و العجب من غفلتنا و هذه العظائم بين أيدينا،و أعجب من ذلك فرحنا بأموالنا،و أهلينا، و بأسبابنا،و ذريتنا،بل بأعضائنا،و سمعنا،و بصرنا،مع أنا نعلم مفارقة جميع ذلك يقينا، و لكن[١]أين من ينفث روح القدس في روعه فيقول ما قال لسيد النبيين:أحبب من أحببت فإنك مفارقه،و عش ما شئت فإنك ميت،و اعمل ما شئت فإنك مجزي به؟ فلا جرم لما كان ذلك مكشوفا له بعين اليقين كان في الدنيا كعابر سبيل [٢]لم يضع لبنة على لبنة،و لا قصبة على قصبة[٣]،و لم يخلف دينارا و لا درهما،و لم يتخذ حبيبا و لا خليلا.نعم قال[٤]«لو كنت متّخذا خليلا لاتّخذت أبا بكر خليلاً وَ لَكِنَّ صَاحِبَكُمْ خَليِلُ الرَّحْمٰنِ» فبين أن خلة الرحمن تخللت باطن قلبه،و أن حبه تمكن من حبة قلبه،فلم يترك فيه متسعا لخليل و لا حبيب.و قد قال لأمته إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ [٣]فإنما أمته من أتبعه ،و ما اتبعه إلا من أعرض عن الدنيا و أقبل على الآخرة،فإنه ما دعا إلاّ إلى اللّه و اليوم الآخر،و ما صرف إلاّ عن الدنيا و الحظوظ العاجلة فبقدر ما أعرضت عن الدنيا و أقبلت على الآخرة فقد سلكت سبيله الذي سلكه.و بقدر ما سلكت سبيله فقد اتبعته،و بقدر ما اتبعته فقد صرت من أمته،و بقدر ما أقبلت على الدنيا عدلت عن سبيله و رغبت عن متابعته،
[١] الطور:١٥،١٦
[٢] الزمر:٤٧
[٣] آل عمران:٣١