إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٣
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ١٣)
يستغنى عنه في الظاهر،و له إليه كثير حاجة في الباطن،و لا تقف به حيث وقف به كلامه،فالمعاني أوسع من العبارات،و الصدور أفسح من الكتب المؤلفات، و كثير علم مما لم يعبر عنه،و اطمح بنظر قلبك في كلامه إلى غاية ما يحتمل،فذلك يعرفك قدره و يفتح باب قصده،و لا تقطع له بصحة،و لا تحكم عليه بفساد،و ليكن تحسين النظر أغلب عليك فيه،حتى يزول الإشكال عنك،بما تتيقن من معانيه،و إذا رأيت له حسنة و سيئة فانشر الحسنة،و اطلب المعاذير للسيئة،و لا تكن كالذبابة تنزل على أقذر ما تجده،و لا تعجل على أحد بالتخطئة،و لا تبادر بالتجهيل فربما عاد عليك ذلك و أنت لا تشعر،فلكل عالم عورة،و له في بعض ما يأتي به احتجاج،و ناهيك ما جرى بين وليّ اللّه تعالى الخضر و كليمه موسى،على نبينا و عليهما السلام،و إذا عرض لك من كلام عالم إشكال يؤذن في الظاهر بمحال،أو اختلال،فخذ ما ظهر لك علمه،و دع ما اعتاص عليك فهمه،و كل العلم فيه إلى اللّه عز و جل،فهذه وصيتى لك، فاحفظها،و تذكيرى إياك فلا تذهل عنه
اسمع وصيتى إن تحفظ حظيت بها و إن تخالف فقد يردي بك الخلف
و أزيدك زيادة تقتضي التعريف بأصناف العلماء،لكي يعرف أهل الحقيقة من غيرهم،فلك في ذلك أكبر منفعة،و لي في وصفهم أبلغ غرض،قال علماؤنا:
العلماء ثلاثة.حجة،و حجاج،و محجوج،فالحجة:عالم باللّه و بأمره و بآياته،مهتما بالخشية للّٰه سبحانه،و الورع في الدين،و الزهد في الدنيا،و الإيثار للّٰه عز و جل، و الحجاج:مدفوع إلى إقامة الحجة،و إطفاء نار البدعة،قد أخرس المتكلمين،و أفحم المتخرصين،برهانه ساطع،و بيانه قاطع،و حفظه ما ينازع،شواهده بينة،و نجومه نيرة،قد حمى صراط اللّه المستقيم،و المحجوج:عالم باللّه،و بأمره، و بآياته و لكنه فقد الخشية للّٰه برؤيته لنفسه،و حجبه عن الورع و الزهد في الدنيا، و الرغبة و الحرص،و بعّده من بركات علمه محبة العلوّ و الشرف،و خوف السقوط و الفقر،فهو عبد لعبيد الدنيا،خادم لخدمها،مفتون بعد علمه،مغتر بعد معرفته، مخذول بعد نصرته،شأنه الاحتقار لنعم اللّه،و الازدراء لأوليائه،و الاستحلاف