إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٤
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٣٤)
لأن الحد الأوّل فيه محض النصح للخلق،و استنقاذهم من غمرة الجهل،و التنكيب بهم من مهاوي العطب،و قودهم إلى معرفة هذا المقام،و ما وراءه مما هو أعلى منه مما لهم فيه الملك الأكبر،و فوز الأبد،و قد بين لهم غاية البيان،و أقيم عليه واضح البرهان،و هو يومئذ الطريق،و أول سبيل السعادة،فمن عجز عن ذلك كان عن غيره أعجز،و من سلكه على استقامة فالغالب عليه الوصول،إن اللّه لا يضيع أجر من أحسن عملا،و من وصل شاهد،و من شاهد علم،و ذلك غاية المطلوب،و نهاية المرغوب و المحبوب،و من قعد حرم الوصول و ما بعده. فَضَّلَ اللّٰهُ الْمُجٰاهِدِينَ عَلَى الْقٰاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً [١]و من غاب لم تنفعه الأخبار:و لم يفده كثير من الأحاديث،و أيضا فإن الأخبار بما وراء الحد الأول و الثاني على وجهه لو كشف للخلق كافة،و أمكن بما أعد من الكلام و جرى بين الناس من عرف التخاطب،كان فيه زيادة محنة،و سبب فيه إهلاك أكثرهم ممن ليس من أهل ذلك المقام،و ذلك لغرابة العلم،و كثرة غموضه و دقة معناه،و علوه في منازل الرفعة و بعده بالجملة و التفصيل،من جميع ما عهد في عالم الملك و الشهادة،و خروجه عن تلك الحدود المألوفة و مباينته لكل ما نشئوا عليه،و لم يشاهدوا غيره من محسوسات و معقولات و ضروريات و نظريات،فلما كان لا يدرك شيء من ذلك بقياس،و لا يتصوّر بواسطة لفظ و لا يحمل عليه مثل،كما قال عز و جل فَلاٰ تَعْلَمُ نَفْسٌ مٰا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ [٢]و حكي عن ابن عباس رحمه اللّه أنه قال:ليس عند الناس من علم الآخرة إلا الأسماء،و أراد من لم ينكشف شيء له من علمها و حقائقها في الدنيا،و أيضا فلو جاز الإخبار بها لغير أهلها لم يكن لهم سبيل إلى تصورها إلا على خلاف ما هي عليه بمجرد تقليد،و يتطرق إليه من أهل الغفلة و ذوي القصور جحود و تبعيد،فلهذا أمروا بالكتم إشفاقا على من حجب من العلم و لهذا قال سيد البشر صلى اللّه عليه و سلم«لا تحدّثوا النّاس بما لم تصله عقولهم أ تريدون أن يكذّب اللّه و رسوله»و قال صلى اللّه عليه و سلم«ما حدّث
[١] النساء:٩٥
[٢] السجدة:١٧