إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣ - الباب الثامن
إلى طهارة الباطن أيضا،فهو الأصل،و طهارة الظاهر بمنزلة التتمة و التكملة لها و مهما صفا الباطن انكشف في حدقة القلب ما سيكون في المستقبل ،كما[١]انكشف دخول مكة لرسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم في النوم،حتى نزل قوله تعالى لَقَدْ صَدَقَ اللّٰهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيٰا بِالْحَقِّ [١]و قلما يخلو الإنسان عن منامات دلت على أمور فوجدها صحيحة و الرؤيا و معرفة الغيب في النوم من عجائب صنع اللّه تعالى،و بدائع فطرة الآدمي، و هو من أوضح الأدلة على عالم الملكوت،و الخلق غافلون عنه كغفلتهم عن سائر عجائب القلب و عجائب العالم.و القول في حقيقة الرؤيا من دقائق علوم المكاشفة،فلا يمكن ذكره،علاوة على علم المعاملة،و لكن القدر الذي يمكن ذكره هاهنا مثال يفهمك المقصود، و هو أن تعلم أن القلب مثاله مثال مرآة تتراءى فيها الصور و حقائق الأمور ،و أن كل ما قدره اللّه تعالى من ابتداء خلق العالم إلى آخره مسطور و مثبت في خلق خلقه اللّه تعالى،يعبر عنه تارة باللوح،و تارة بالكتاب المبين،و تارة بإمام مبين كما ورد في القرءان.فجميع ما جرى في العالم و ما سيجرى مكتوب فيه،و منقوش عليه نقشا لا يشاهد بهذه العين.و لا تظنن أن ذلك اللوح من خشب،أو حديد،أو عظم،و أن الكتاب من كاغد أو رق ،بل ينبغي أن تفهم قطعا أن لوح اللّه لا يشبه لوح الخلق،و كتاب اللّه لا يشبه كتاب الخلق،كما أن ذاته و صفاته لا تشبه ذات الخلق و صفاتهم.بل إن كنت تطلب له مثالا يقربه إلى فهمك فاعلم أن ثبوت المقادير في اللوح يضاهي ثبوت كلمات القرءان و حروفه في دماغ حافظ القرءان و قلبه،فإنه مسطور فيه،حتى كأنه حين يقرؤه ينظر إليه،و لو فتشت دماغه جزأ جزأ لم تشاهد من ذلك الخط حرفا،و إن كان ليس هناك خط يشاهد و لا حرف ينظر فمن هذا النمط ينبغي أن تفهم كون اللوح منقوشا بجميع ما قدره اللّه تعالى و قضاه، و اللوح في المثال كمرآة ظهر فيها الصور،فلو وضع في مقابلة المرآة مرآة أخرى لكانت صورة تلك المرآة تتراءى في هذه،إلا أن يكون بينهما حجاب .فالقلب مرآة تقبل رسوم العلم،و اللوح مرآة رسوم العلم كلها موجودة فيها،و اشتغال القلب بشهواته و مقتضى
[١] الفتح:٢٧