إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٧
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ١٧)
فيها،ليس بعربي،و لا سرياني،و لا عبراني،و لا غير ذلك من أجناس الخطوط، فبادر إلى قراءته من لم يستعجم عليه،و تعلمه منهم من استعجم عليه،فإذا هو الخط الإلهي المكتوب على صفحة كل مخلوق.المنطبع فيه من مركب و مفرد،و صفة و موصوف و حي،و جماد،و ناطق و صامت،و متحرك و ساكن،و مظلم و نيّر،و هو الذي يسمى تارة بعلامة،و تارة بسمة،و تارة بأثر القدرة،و تارة بآية،كما قال الشاعر:و لا أدرى عن سماع أو رؤية قلب
و في كل شيء له آية تدل على أنه واحد
فلو قرءوا ذلك الخط وجدوا تفسير ذلك المكتوب عليه،و شرحه أبدية مالكه و التصريف له بالقدرة على حكم الإرادة بما سبق في ثابت العلم من غير مزيد و لا تقصير،فتركوا الكتابة و المكتوب،و ترقوا إلى معرفة الكاتب،الذي أحدث الأشياء و كونها،و لا يخرج عن ملكه شيء منها،و لا استغنت بأنفسها عن حوله و قوته،و لا انتقلت إلى الحرية عن رق استعباده،فوجدوه كما وصف نفسه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [١]فخلصت لهم التفرقة و الجمع،و عقلت نفس كل واحد منهم توحيد خالقها بإذنه و إيجاده عن غيره،و عقلت أنها عقلت توحيده،فسبحان من يسّرها لذلك،و فتح عليها بما ليس في وسعها أن تدركه إلا به و هو اللطيف الخبير،لكن الصنف الثالث:لم يقصر كل منهم أن يعرف نفسه موجدا لديه فيما لا يزال،و هم المقربون،و الصنف الرابع:لم يقصر كل واحد منهم أن عرف ربه موجدا لنفسه فيما لم يزل،و هم الصديقون،و بينهما تفاوت كثير و أما طريق معرفة صحة هذا التقسيم:فلأن العقلاء بأسرهم لا يخلو كل واحد منهم أن يوجد أثر التوحيد بأحد الأنحاء المذكورة عنده،فأما من عدمت عنده فهو كافر إن كان في زمن الدعوة،أو على قرب يمكن وصول علمها إليه،أو في فترة يتوجه عليه فيها التكليف و هذا صنف مبعد عن مقام هذا الكلام،و أما من يوجد عنده فلا يخلو أن يكون مقلدا في عقده،أو عالما به،و المقلدون هم العوام،و هم أهل المرتبة الثانية في الكتاب،
[١] الشورى:١١