إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨٤
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-تعريف الأحياء ،
(صفحه ٢١)
في الاستنباطات،فظن من بعد عن العراق،أن ذلك كان لاستشعار من جهة الولاة،و أما من قرب منهم فكان يشاهد لجاجهم في التعلق بي و الإنكار علي،و اعراضى عنهم و عن الالتفات إلى قولهم،فيقولون هذا أمر سماوي،ليس له سبب إلا عين أصابت أهل الإسلام،و زمرة العلم،ففارقت بغداد،و فارقت ما كان معي من مالي،و لم أدخر من ذلك إلا قدار الكفاف،و قوت الأطفال،ترخصا بأن مال العراق مرصد للمتصالح، لكونه وقفا على المسلمين،و لم أر في العالم ما يأخذ العالم لعيال أصلح منه.
ثم دخلت الشام و أقمت فيه قريبا من سنتين،لا شغل إلا العزلة و الخلوة و الرياضة و المجاهدة اشتغالا بتزكية النفس،و تهذيب الأخلاق،و تصفية القلب لذكر اللّه تعالى، كما كنت حصلته من علم الصوفية،و كنت أعتكف مدة بمسجد دمشق أصعد منارة المسجد طول النهار،و أغلق بابها على نفسي،ثم تحرك بي داعية فريضة الحج، و الاستمداد من بركات مكة و المدينة و زيارة النبي صلى اللّه عليه و سلم بعد الفراغ من زيارة الخليل صلوات اللّه عليه و سلامه،و ثم سرت إلى الحجاز،ثم جذبتني الهمم،و دعوات الأطفال إلى الوطن و عاودته،بعد أن كنت أبعد الخلق عن أن أرجع إليه،و آثرت العزلة،حرصا على الخلوة،و تصفية القلب للذكر،و كانت حوادث الزمان،و مهمات العيال،و ضرورات المعيشة،تغير في وجه المراد،و تشوش صفوة الخلوة،و كان لا يصفو لي الحال،إلا في أوقات متفرقة،لكن مع ذلك لا أقطع طمعى عنها،فيدفعني عنها العوائق،و أعود إليها و دمت على ذلك مقدار عشر سنين، و انكشف لي في أثناء هذه الخلوات أمور لا يمكن إحصاؤها،و استقصاؤها،و القدر الذي ينبغي أن نذكره،لينتفع به،أنى علمت يقينا،أن الصوفية هم السالكون لطريق اللّه خاصة،و أن سيرتهم أحسن السير،و طريقتهم أصوب الطرق،و اخلاقهم أزكى الأخلاق،بل لو جمع عقل العقلاء،و حكمة الحكماء،و علم الواقفين على أسرار الشرع من العلماء،ليغيروا شيئا من سيرتهم،و اخلاقهم،و يبدلوه بما هو خير منه،لم يجدوا إليه سبيلا،فإن جميع حركاتهم و سكناتهم في ظاهرهم و بطانهم،مقتبسة من نور مشكاة النبوة،و ليس وراء نور النبوة على وجه الأرض نور يستضاء به