إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٠
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٥٠)
قبل خلقه عن أن يخرجه من العدم إلى الوجود يقع تحت الاختيار الممكن،من حيث إن الفاعل المختار له أن يفعل فإذا فعل فليس في الإمكان أن يفعل إلا نهاية ما تقتضيه الحكمة التي عرفنا أنها حكمة،و لم يعرفنا بذلك إلا لنعلم مجاري أفعاله،و مصادر أموره،و أن نتحقق أن كل ما اقتضاه و يقضيه من خلقه،بعلمه،و إرادته،و قدرته أن ذلك على غاية الحكمة،و نهاية الاتقان،و مبلغ جودة الصنع،ليجعل كمال ما خلق دليلا قاطعا،و برهانا على كماله في صفات جلاله الموجبة لإجلاله فلو كان ما خلق ناقصا بالإضافة إلى غيره ما قدر على خلقه،و لو لم يخلق لكان يظهر النقصان المدعى على هذا الوجود من خلقه،كما يظهر على ما خلقه على غير ذلك،و يكون الجميع من باب الاستدلال على ما صنع من النقصان قطعا،و ما يحمل عليه من القدرة على أكمل منه ظنا،إذ خلق للخلق عقولا و جعل لهم فهو ما،و عرفهم ما أكن،و كشف لهم ما حجب و أجن،فيكون من حيث عرفهم بكماله دلهم على نقصه،و من حيث أعلمهم بقدرته بصرهم بعجزه،فتعالى اللّه رب العالمين،الملك الحق المبين.
و أيضا فلا يعترض هنا و يتزر به،إلا من لا يعرف مخلوقاته،و لم يصرف الكلام الصحيح في مشابه ذلك أصلا في العلم،أو كان نسخا له و معنى نقيس عليه غيره،و أما انكشافه بخير ممن رزق علم ذلك كان بطلان العلم في حق المخبر،إذ أفشاه لغير أهله، و أهداه لمن لا يستحقه،كما روي عن عيسى على نبينا و عليه السلام،لا تعلقوا الدر في عناق الخنازير،و إنما أراد قطاع العلم غير أهله،و قد جاء لا تمنعوا الحكمة أهلها،فتظلموهم،و لا تضعوها عند غير أهلها فتظلموها.
و أما سر العلم الذي يوجب كشفه بطلان الأحكام،فإن كان كشفه من اللّه سبحانه لقلوب ضعيفة بطلت الأحكام،في حقها لمن يطلع عليه في ذلك السر من معرفة مآل الأشياء،و عواقب الخلق،و كشف أسرار العباد،و ما يظن من مقدور،فمن عرف نفسه مثلا أنه من أهل الجنة لم يصلّ،و لم يصم،و لم يتعب نفسه في خير،و كذلك لو انكشف له أنه من أهل النار،كمل انهماكه فلا يحتاج إلى تعب زائد،و لا تصيبه مكابدة،فلو عرف كل واحد عاقبته و مآله بطلت الأحكام الجارية عليه،و إن كان كشفها من مخبر