إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤٨
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٤٨)
المتأول و يلهو المعاند،هذا و القول بتخصيص العموم أظهر من الجراءة و أشهر مما نقل الكافة و يحتمل أن يكون المراد في الآية بالرسول المذكور فيها ملك الوحي،الذي بواسطته تنجلي العلوم و تنكشف الغيوب،فمتى لم يرسل اللّه ملكا بإعلام غيب،أو يخاطب مشافهة أو إلقاء معنى في روع،أو ضرب مثل في يقظة أو منام،لم يكن إلى علم ذلك الغيب سبيل،و يكون تقدير الآية،فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول أن يرسله إلى من يشاء من عباده في يقظة أو منام،فإنه يطلع على ذلك أيضا،و يكون فائدة الإخبار بهذا في الآية،الامتنان على من رزقه اللّه تعالى علم شيء من مكنوناته و إعلامه أنه لا تصل إليها نفسه،و لا مخلوق سواه إلا باللّه تعالى،حين أرسل إليه الملك بذلك،و بعثه اللّه حتى يتبرأ المؤمن من حوله و من حول كل مخلوق و قوّته،و يرجع إلى اللّه تعالى وحده،و يتحقق على أنه لا يرد عليه شيء من علم،أو معرفة،أو غير ذلك إلا بإرادته و مشيئته،و يحتمل وجه آخر،و هو أن يكون معناه و اللّه أعلم،فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى،يريد من سائر خلقه،و أصناف عباده،و يكون معنى من رسول أي عن يد رسول من الملائكة
فصل
و معنى و لا يتخطى رقاب الصديقين
إن قلت:ما الذي أوصله إلى مقامهم،أو جاوز به ذلك،و هو في المرتبة الثالثة حال المقربين ما وصل حيث ظننت،فكيف يجاوزه؟و إنما خاصية من هو في رتبة الصديقين عدم السؤال،لكثرة التحقق بالأحوال،و خاصية من هو في رتبة القرب كثرة السؤال،طمعا في بلوغ الآمال،و مثالهما فيما أشير إليه مثال إنسانين دخلا في بستان،أحدهما:يعرف جميع أنواع نبات البستان،و يتحقق أنواع تلك الثمار،و يعلم أسماءها و منافعها،فهو لا يسأل عن شيء مما يراه،و لا يحتاج إلى أن يخبر به،و الثاني لا يعرف مما رأى شيئا،أو يعرف بعضا و يجهل أكثر مما يعرف،فهو يسأل ليصل إلى علم الباقي،و ذلك من تكلمنا عليه حين أكثر السؤال عما يبعد عنه حاله و يتخلف عن مقامه إلى ما هو أعلى منه،و كان غير مراد لذلك إما في ذلك الوقت أو الأبد