إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٢١)
بكسر أو علم منه أنه منطو على فراغ،أو سوس،أو طعمه فاسد،لم يصلح لشيء، و لم يبق فيه غرض لأحد،و هذا لاخفاء في صحته،و الغرض بالتمثيل تقريب ما غمض إلى نفس الطالب،و تسهيل ما اعتاص على المتعلم و السامع فهمه،و ليس من شرط المثال أن يطابق الممثل به من كل وجه،فكان يكون هو،و لكن من شرطه أن يكون مطابقا للواحد المراد منه
فصل
فإن قلت:فما الذي صدّ هؤلاء الأصناف الثلاثة من أهل النطق عن النظر، و البحث،حتى تعلموا،أو عن الاعتقاد حتى تخلصوا،من عذاب اللّه،و هم في الظاهر قادرون على ذلك،و ما المانع الخفي الذي منعهم و أبعدهم عنه،و هم يعلمون أن ما عليهم كبير مئونة،و لا عظيم نفقة؟ فاعلم أن هذا السؤال يفتح بابا عظيما،و يهز قاعدة كبيرة،يخاف من التوغل فيها أن يخرج من المقصد،و لكن لا بد إذا وقع في الأسماع،و وعته قلوب الطالبين، و اشتاقت إلى سماع الجواب عنه،أن نورد في ذلك قدر ما يقع به الكفاية،و تقنع به النفوس بحول اللّه و قوته،نعم ما سبق في العلم القديم لا تجرى بخلافه المقادير، فهم من ذلك بإرادة اللّه.عز و جل،جاء اختصاص قلوبهم بالأخلاق الكلابية، و الشيم الذئابية،و الطباع السبعية،و غلبتها عليهم و الملائكة لا تدخل بيتا فيه كلب، كذلك قال عليه السلام،و القلوب بيوت تولى اللّه بناءها بيده،و أعدها لأن تكون خزائن علمه،و مشارق مكنوناته،و مهبط ملائكته،و مغاشي أنواره،و مهابّ نفحاته،و مجال مكاشفاته،و مجاري رحمته،و هيأها لتحصيل المعرفة به،فمتى كان فيها شيء من تلك الأخلاق المذمومة لم يدخلها الملائكة،و لم ينزل عليها شيء من الخير من قبله،إذ هي الوسائط بين اللّه تعالى و بين خلقه،و هم الوفود منه بالخيرات و الموصلون إليه و عنه،بالباقيات الصالحات،و لو لا تلك الأخلاق المذمومة،التي حلت فيهم و هي التي ذم الكلب لأجلها لما احترمت الملائكة بإذن اللّه عن حلولها فيها