إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٣
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٢٣)
و مواساة إيلافهم أن تنقطع،و استثقالا لما يشاهدونه من أهل الإيمان أن يلتزموه و فرارا من شرائطه،و ما يصحبه من الأعمال،و الوظائف،إذ يمتثلوه،و الكلب ما ذم لصورته،و إنما ذم بهذه الأخلاق التي هي الطمع في الخسائس،و الجزع من الصبر على ما يعده من الفضائل،حتى احترمت الملائكة أن تدخل بيتا فيه كلب فإن قلت:فكيف آمن من كفر،و أطاع من عصى،و اهتدى من ضل، إذا كانت الشياطين لا تفارق قلب الكافر و العاصي و الضال،بما تثبتون من الأخلاق المذمومة التي هي كلاب نابحة،و ذئاب عادية،و سباع ضارية،و أصناف الخير إنما ترد من اللّه عز و جل بواسطة الملائكة،و هي لا تدخل موضعا يحل فيه شيء مما ذكرنا،و إذا لم تدخل لم يصل إلى الخير الذي يكون معها و لم تصل إليه فعلى هذا يجب أن يبقى كل كافر على حاله،و من لم يخلق مؤمنا معصوما فلا سبيل له إلى الإيمان على هذا المفهوم.
فاعلم أن هذا يستدعى أصنافا من علم القلوب،و لا سبيل إلى ذلك في مثل هذا المقام المعلوم،و القول و المعنى في جواب ما سألت عنه،أن للشيطان غفلات و للأخلاق المذمومة عدمات،كما أن الملائكة لها عن القلوب غيبات،و لتواتر الخير عليها فترات،فإذا وجد الملك كما أعلمتك قلبا خاليا،و لو زمنا ما فرّ و دخل فيه،و أراه ما عنده من الخير،فإن صادف منه قبولا،و لما عرض عليه من الخير تشوقا و نزوعا أورد عليه ما يملأ و يستغرق لبّه،و إن صادف منه صحوا،و سمع منه بجنود الشياطين استغاثة و بالأخلاق الكلابية استعانة،رحل عنه و تركه،و لهذا قيل ما خلا لب عن لمة ملك أو نزغة شيطان فإن قلت:فأي بيت فهم عن النبي صلى اللّه عليه و سلم في الخطاب،و أي كلب أذهل بيت القلب،كلب الخلق أو بيت اللبن،و كلب الحيوان فاعلم أن الحديث خارج على سبب.و معناه و جملته أن المقصود بالأخبار هو بيت اللبن،و كلب الحيوان معلوم،و لا بيتك في ذلك،و لكن يستقرأ منه ما قلناه و يستنبط من مفهومه ما نبهناك عليه،و يتخطى منه إلى ما أشرنا لك نحوه،و لا نكر في ذلك،إذا دل عليه العلم،و جملة الاستنباط،و لم تمجه القلوب المستضاءة