إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣١
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-كتاب الإملاء ،
(صفحه ٣١)
حين أخبروا عن سلب الإيمان عنهم،لم يبقوا اسم الكفر عليهم،ثم يعرضوا على الاستتابة إن كانت من مذهبه،ثم يحكم فيه بالقتل و الاسترقاق،فإذا تأملت هذا لم يخف عليك عيب ما قالوه،و نقص ما قالوا إليه،فلنرجع إلى ما نحن بسبيله و نستعين باللّه عز و جل أما أرباب الحالة الثالثة:و هي اعتقاد البدعة في الصفات أو بعضها،فإن حكمنا بصحة إيمان أهل الحالة المذكورة قبل هذا،و إسلامهم،حققنا أمر هؤلاء فيما اعتقدوه إذ لم يقعوا فيه بوجه قصد يقطعهم عن إيصال العذر،لأن هؤلاء قد حصل لهم في العقد ما هو شرط الخلاص و النجاة من الهلاك الدائم،و أصيبوا فيما وراء ذلك،فإن أمكن ردهم في الدنيا،و زجرهم عنه،إن أظهروا المنع عن الإقلاع و الرجوع بالعقوبة المؤلمة،دون قتل كان ذلك،و إن فاتوا بالموت لم نقصرهم في اعتقادنا عن أرباب الحالة الثانية المذكورة قبلهم،و اللّه أعلم بالناجي و الهالك من خلقه،و المطيع و العاصي من عباده هكذا ينبغي أن يكون مذهب من نظر في خلق اللّه تعالى بعين الرأفة و الرحمة،و لم يدخل بين اللّه عز و جل و بين عباده،فيما غاب عنه علمه و عدم فيه سبيل اليقين،و فهم معنى قوله عز و جل وَ لاٰ تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلاً [١]فإن قلت:و أين أنت من تكفير كثير من الناس لجميع أهل البدع عامة و خاصة، و قول النبي صلى اللّه عليه و سلم في القدرية«إنّهم مجوس هذه الأمّة» و قوله صلى اللّه عليه و سلم«ستفترق أمّتى إلى ثلاث و سبعين فرقة كلّها في النّار إلاّ واحدة»و قال عن قوم يخرجون على حين فرقة من الناس«يقولون بقول خير البريّة أو من قول خير البريّة يمرقون من الدّين كما يمرق السّهم من الرّميّة» و الأحاديث الواردة فيمن اعتقد شيئا من الأهواء و البدع كثيرة غير هذه،مما توجب في الظاهر تكفيرهم بالإطلاق فاعلم أنه و إن كان كفّرهم كثير من العلماء،فقد أبقى عليهم دينهم،و تردد فيهم كثير أو أكثر منهم،و كل فريق منهم في مقابلة من خالفه،فليقع التحاكم عند العالم الأكبر
[١] الاسراء:٣٦