إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٧٤ - القول
في النعيم المقيم الموعود لأهل الجنان،وسق نفسك بسوط الخوف،و قدها بزمام الرجاء إلى الصراط المستقيم،فبذلك تنال الملك العظيم :و تسلم من العذاب الأليم فتفكر في أهل الجنة،و في وجوههم نضرة النعيم،يسقون من رحيق مختوم،جالسين على منابر الياقوت الأحمر،في خيام من اللؤلؤ الرطب الأبيض فيها بسط من العبقري الأخضر،متكئين على أرائك،منصوبة على أطراف أنهار مطردة بالخمر و العسل،محفوفة بالغلمان و الولدان،مزينة بالحور العين من الخيرات الحسان،كأنهن الياقوت و المرجان،لم يطمثهنّ إنس قبلهم و لا جانّ،يمشين في درجات الجنان،إذا اختالت إحداهنّ في مشيها حمل أعطافها سبعون ألفا من الولدان،عليها من طرائف الحرير الأبيض ما تتحير فيه الأبصار،مكللات بالتيجان المرصّعة باللؤلؤ و المرجان،شكلات،غنجات،عطرات،آمنات من الهرم و البؤس،مقصورات في الخيام،في قصور من الياقوت بنيت وسط روضات الجنان،قاصرات الطرف عين،ثم يطاف عليهم و عليهن بأكواب و أباريق و كأس من معين،بيضاء لذة للشاربين.و يطوف عليهم خدام و ولدان كأمثال اللؤلؤ المكنون،جزاء بما كانوا يعملون،في مقام أمين،في جنات و عيون،في جنات و نهر،في مقعد صدق عند مليك مقتدر،ينظرون فيها إلى وجه الملك الكريم، و قد أشرقت في وجوههم نضرة النعيم،لا يرهقهم قتر و لا ذلة،بل عباد مكرمون و بأنواع التحف من ربهم يتعاهدون،فهم فيما اشتهت أنفسهم خالدون،لا يخافون فيها و لا يحزنون،و هم من ريب المنون آمنون،فهم فيها يتنعمون،و يأكلون من أطعمتها،و يشربون من أنهارها لبنا و خمرا و عسلا،في أنهار أراضيها من فضة، و حصباؤها مرجان،و على أرض ترابها مسك أذفر،و نباتها زعفران،و يمطرون من سحاب فيها من ماء النسرين،على كثبان الكافور،و يؤتون بأكواب و أي أكواب،بأكواب من فضة مرصعة بالدر و الياقوت و المرجان،كوب فيه من الرحيق المختوم،ممزوج به السلسبيل العذب،كوب يشرق نوره من صفاء جوهره يبدو الشراب من ورائه برقته و حمرته،لم يصنعه آدمي فيقصر في تسوية صنعته،