إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٤ - الباب الثامن
حواسّه حجاب مرسل بينه و بين مطالعة اللوح الذي هو من عالم الملكوت.فإن هبت ريح حركت هذا الحجاب و رفعته،تلألأ في مرآة القلب شيء من عالم الملكوت كالبرق الخاطف،و قد يثبت و يدوم،و قد لا يدوم و هو الغالب.و ما دام متيقظا فهو مشغول بما تورده الحواس عليه من عالم الملك و الشهادة،و هو حجاب عن عالم الملكوت.و معنى النوم أن تركد الحواس عليه فلا تورده على القلب فإذا تخلص منه و من الخيال،و كان صافيا في جوهره،ارتفع الحجاب بينه و بين اللوح المحفوظ،فوقع في قلبه شيء مما في اللوح، كما تقع الصورة من مرآة في مرآة أخرى إذا ارتفع الحجاب بينهما.إلا أن النوم مانع سائر الحواس عن العمل،و ليس مانعا للخيال عن عمله و عن تحركه فما يقع في القلب يبتدره الخيال فيحاكيه بمثال يقاربه،و تكون المتخيلات أثبت في الحفظ من غيرها،فيبقى الخيال في الحفظ،فإذا انتبه لم يتذكر إلا الخيال،فيحتاج المعبر أن ينظر إلى هذا الخيال حكاية أي معنى من المعاني،فيرجع إلى المعاني بالمناسبة التي بين المتخيل و المعاني و أمثلة ذلك ظاهرة عند من نظر في علم التعبير،و يكفيك مثال واحد،و هو أن رجلا قال لابن سيرين :رأيت كأن بيدي خاتما أختم به أفواه الرجال و فروج النساء.فقال أنت مؤذن تؤذن قبل الصبح في رمضان.قال صدقت.فانظر أن روح الختم هو المنع،و لأجله يراد الختم،و إنما ينكشف للقلب حال الشخص من اللوح المحفوظ كما هو عليه،و هو كونه مانعا للناس من الأكل و الشرب،و لكن الخيال ألف المنع عند الختم بالخاتم،فتمثله بالصورة الخيالية التي تتضمن روح المعنى،و لا يبقى في الحفظ إلا الصورة الخيالية فهذه نبذة يسيرة من بحر علم الرؤيا الذي لا تنحصر عجائبه،و كيف لا و هو أخو الموت، و إنما الموت هو عجب من العجائب،و هذا لأنه يشبهه من وجه ضعيف أثر في كشف الغطاء عن عالم الغيب،حتى صار النائم يعرف ما سيكون في المستقبل.فما ذا ترى في الموت الذي يخرق الحجاب،و يكشف الغطاء بالكلية،حتى يرى الإنسان عند انقطاع النفس من غير تأخير نفسه إما محفوفة بالأنكال و المخازي و الفضائح،نعوذ باللّه من ذلك،و إما مكنوفا بنعيم مقيم و ملك كبير لا آخر له ،و عند هذا يقال للأشقياء و قد انكشف الغطاء لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هٰذٰا فَكَشَفْنٰا عَنْكَ غِطٰاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ [١]و يقال
[١] ق:٢٢