إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٨١
إحیاء علوم الدین جلد ١٦ ، بخش: ج ١٦-تعريف الأحياء ،
(صفحه ١٨)
و ما ارتضيته آخرا من طرق أهل التصوف،و ما تنحل لي في تضاعيف تفتيشي عن أقاويل أهل الحق،و ما صرفني عن نشر العلم ببغداد مع كثرة الطلبة،و ما دعاني إلى معاودته بنيسابور بعد طول المدة.فابتدرت لإجابتك إلى طلبتك،بعد الوقوف على صدق رغبتك.فقلت مستعينا باللّه تعالى و متوكلا عليه و مستوفقا منه،و ملتجئا إليه اعلموا أحسن اللّه إرشادكم،و ألان إلى قبول الحق انقيادكم.أن اختلاف الخلق في الأديان و الملل،ثم اختلاف الأئمة في المذاهب على كثرة الفرق و تباين الطرق،بحر عميق غرق فيه الأكثرون،و ما نجا منه إلا الأقلون،و كل فريق يزعم أنه الناجي، كُلُّ حِزْبٍ بِمٰا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ [١]و لم أزل في عنفوان شبابي مذ راهقت البلوغ،قبل بلوغ العشرين،إلى أن أناف السن على الخمسين،أقتحم لجة البحر العميق،و أغمرته خوض الجسور،لا خوض الجبان الحذور،و أتوغل في كل مظلمة،و أهجم على كل مشكلة،و أقتحم كل ورطة، و أتفحص عن عقيدة كل فرقة،و أتكشف أسرار مذاهب كل طائفة،لأميز بين كل محق و مبطل،و مستن و مبتدع،لا أغادر باطنيا إلا و أحب أن أطلع على باطنيته،و لا ظاهريا إلا و أريد أن أعلم حاصل ظاهريته،و لا فلسفيا إلا و أقصد الوقوف على فلسفته و لا متكلما إلا و أجتهد في الاطلاع على غاية كلامه و مجادلته،و لا صوفيا إلا و أحرص على العثور على سر صوفيته،و لا متعبدا إلا و أريد ما يرجع إليه حاصل عبادته،و لا زنديقا معطلا إلا و أتجسس وراءه للتنبه لأسباب جراءته في تعطيله و زندقته،و قد كان التعطش إلى درك حقائق الأمور دأبي و ديدنى من أول أمري و ريعان عمري،غريزة من اللّه، و فطرة وضعها اللّه في جبلتى،لا باختياري و حيلتى،حتى انحلت عنى رابطة التقليد، و انكسرت عنى العقائد المروية على قرب عهد منى بالصبا،إذ رأيت صبيان النصارى لا يكون لهم نشء إلا على التنصر،و صبيان اليهود لا يكون لهم نشء إلا على التهود، و صبيان الإسلام لا يكون لهم نشء إلا على الإسلام،و سمعت الحديث المروي عن النبي
[١] الروم:٣٢