إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٥ - بيان
و استشعار راحة في بذلها،و كل ذلك يورث الأنس بهذا العالم.و بقدر ما يأنس العبد بالدنيا يستوحش من الآخرة.و بقدر ما يأنس بصفة من صفاته سوى صفة المعرفة باللّه يستوحش من اللّه و من حبّه.و مهما انقطعت أسباب الأنس بالدنيا تجافى القلب عن الدنيا و زهرتها.
و القلب إذا تجافى عما سوى اللّه تعالى،و كان مؤمنا باللّه،انصرف لا محالة إلى اللّه إذ لا يتصور قلب فارغ،و ليس في الوجود إلا اللّه تعالى و غيره.فمن أقبل على غيره فقد تجافى عنه، و من أقبل عليه تجافى عن غيره،و يكون إقباله على أحدهما بقدر تجافيه عن الآخر،و قربه من أحدهما بقدر بعده من الآخر.و مثلهما مثل المشرق و المغرب،فإنهما جهتان،فالمتردد بينهما بقدر ما يقرب من أحدهما يبعد عن الآخر.بل عين القرب من أحدهما هو عين البعد من الآخر.فعين حب الدنيا هو عين بغض اللّه تعالى،فينبغي أن يكون مطمح نظر العارف قلبه في عزوبه عن الدنيا و أنسه بها فإذا فضل الفقير و الغني بحسب تعلق قلبيهما بالمال فقط.فإن تساويا فيه تساوت درجتهما إلا أن هذا مزلة قدم و موضع غرور.فإن الغني ربما يظن أنه منقطع القلب عن المال،و يكون حبه دفينا في باطنه و هو لا يشعر به،و إنما يشعر به إذا فقده.فليجرب نفسه بتفريقه، أو إذا سرق منه،فإن وجد لقلبه إليه التفاتا،فليعلم أنه كان مغرورا.فكم من رجل باع سرية له لظنه أنه منقطع القلب عنها .فبعد لزوم البيع و تسليم الجارية،اشتعلت من قلبه النار التي كانت مستكنة فيه،فتحقق إذا أنه كان مغرورا،و أن العشق كان مستكنا في الفؤاد استكنان النار تحت الرماد.و هذا حال كل الأغنياء،إلا الأنبياء و الأولياء و إذا كان ذلك محالا أو بعيدا،فلنطلق القول بأن الفقر أصلح لكافة الخلق و أفضل، لأن علاقة الفقير و أنسه بالدنيا أضعف.و بقدر ضعف علاقته يتضاعف ثواب تسبيحاته و عباداته.فإن حركات اللسان ليست مرادة لأعيانها،بل ليتأكد بها الأنس بالمذكور.
و لا يكون تأثيرها في إثارة الأنس في قلب فارغ من غير المذكور كتأثيرها في قلب مشغول.و لذلك قال بعض السلف.مثل من تعبّد و هو في طلب الدنيا مثل من يطفئ النار بالحلفاء ،و مثل من يغسل يده من الغمر بالسمك .و قال أبو سليمان الداراني رحمه اللّه تعالى تنفس فقير دون شهوة لا يقدر عليها،أفضل من عبادة غني ألف عام.و عن الضحاك قال: