إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٣ - بيان
فيها عشرة آلاف درهم و كذلك أعمال البرّ كلّها»فرجع إليهم فأخبرهم بما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه و سلم،فقالوا رضينا رضينا.
فهذا يدل على أن قوله«ذلك فضل اللّه يؤتيه من يشاء»أي مزيد ثواب الفقراء على ذكرهم و أما قوله:إن الغني وصف الحق،فقد أجابه بعض الشيوخ فقال.أ ترى أن اللّه تعالى غني بالأسباب و الأعراض؟فانقطع و لم ينطق و أجاب آخرون فقالوا.إن التكبر من صفات الحق،فينبغي أن يكون أفضل من التواضع.ثم قالوا:بل هذا يدل على أن الفقر أفضل لأن صفات العبودية أفضل للعبد،كالخوف و الرجاء،و صفات الربوبية لا ينبغي أن ينازع فيها.و لذلك قال تعالى فيما روى عنه نبينا صلى اللّه عليه و سلم[١]«الكبرياء ردائي و العظمة إزاري فمن نازعنى واحدا منهما قصمته »و قال سهل.حب العز و البقاء شرك في الربوبية و منازعة فيها،لأنهما من صفات الرب تعالى فمن هذا الجنس تكلموا في تفضيل الغنى و الفقر،و حاصل ذلك تعلق بعمومات تقبل التأويلات،و بكلمات قاصرة لا تبعد مناقضتها.إذ كما يناقض قول من فضّل الغنى بأنه صفة الحق بالتكبر ،فكذلك يناقض قول من ذم الغنى لأنه وصف للعبد بالعلم و المعرفة، فإنه وصف الرب تعالى،و الجهل و الغفلة وصف العبد.و ليس لأحد أن يفضل الغفلة على العلم.فكشف الغطاء عن هذا هو ما ذكرناه في كتاب الصبر،و هو أن ما لا يراد لعينه بل يراد لغيره،فينبغي أن يضاف إلى مقصوده،إذ به يظهر فضله .و الدنيا ليست محذورة لعينها و لكن لكونها عائقة عن الوصول إلى اللّه تعالى.و لا الفقر مطلوبا لعينه،لكن لأن فيه فقد العائق عن اللّه تعالى،و عدم الشاغل عنه.و كم من غني لم يشغله الغنى عن اللّه عز و جل مثل سليمان عليه السلام ،و عثمان،و عبد الرحمن بن عوف رضي اللّه عنهما،و كم من فقير شغله الفقر و صرفه عن المقصد.و غاية المقصد في الدنيا هو حب اللّه تعالى و الأنس به، و لا يكون ذلك إلا بعد معرفته،و سلوك سبيل المعرفة مع الشواغل غير ممكن،و الفقر قد يكون من الشواغل،كما أن الغنى قد يكون من الشواغل،و إنما الشاغل على التحقيق حب الدنيا ،إذ لا يجتمع معه حب اللّه في القلب.و المحب للشيء مشغول به سواء كان