إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٤ - بيان
في فراقه أو في وصاله.و ربما يكون شغله في الفراق أكثر،و ربما يكون شغله في الوصال أكثر و الدنيا معشوقة الغافلين،المحروم منها مشغول بطلبها،و القادر عليها مشغول بحفظها و التمتع بها فإذا إن فرضت فارغين عن حب المال،بحيث صار المال في حقهما كالماء،استوى الفاقد و الواجد،إذ كل واحد غير متمتع إلا بقدر الحاجة.و وجود قدر الحاجة أفضل من فقده إذا الجائع يسلك سبيل الموت لا سبيل المعرفة،و إن أخذت الأمر باعتبار الأكبر فالفقير عن الخطر أبعد،إذ فتنة السراء أشد من فتنة الضراء،و من العصمة أن لا يقدر.و لذلك قال الصحابة رضي اللّه عنهم.بلينا بفتنة الضراء فصبرنا،و بلينا بفتنة السراء فلم نصبر.و هذه خلقة الآدميين كلهم إلا الشاذ الفذ الذي لا يوجد في الأعصار الكثيرة إلا نادرا.و لما كان خطاب الشرع مع الكل،لا مع ذلك النادر،و الضراء أصلح للكل دون ذلك النادر، زجر الشرع عن الغنى و ذمه،و فضل الفقر و مدحه،حتى قال المسيح عليه السلام.لا تنظروا إلى أموال أهل الدنيا،فإن بريق أموالهم يذهب بنور إيمانكم و قال بعض العلماء:تقليب الأموال يمص حلاوة الإيمان.و في الخبر«إنّ[١]لكنّ أمّة عجلا و عجل هذه الأمّة الدّينار و الدّرهم»و كان أصل عجل قوم موسى من حلية الذهب و الفضة أيضا.و استواء المال و الماء،و الذهب و الحجر،إنما يتصور للأنبياء عليهم السلام و الأولياء.ثم يتم لهم ذلك بعد فضل اللّه تعالى بطول المجاهدة،إذ كان النبي صلى اللّه عليه و سلم[٢]يقول للدنيا«إليك عنّى»إذ كانت تتمثل له بزينتها.و كان عليّ كرم اللّه وجهه يقول.يا صفراء غرى غيري و يا بيضاء غرى غيري.و ذلك لاستشعاره في نفسه ظهور مبادى الاغترار بها،لو لا أن رأى برهان ربه.و ذلك هو الغنى المطلق.إذ قال عليه الصلاة و السلام[٣]«ليس الغنى عن كثرة العرض إنّما الغنى غنى النّفس » و إذا كان ذلك بعيدا،فإذا الأصلح لكافة الخلق فقد المال و إن تصدقوا به و صرفوه إلى الخيرات ،لأنهم لا ينفكون في القدرة على المال عن أنس بالدنيا،و تمتع بالقدرة عليها