إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٥ - بيان
يمتلئ بالنفاق حتى لا يكون للإيمان فيه مغرز إبرة فقد عرفت بهذا أن خوف العارفين من سوء الخاتمة،و أن سببه أمور تتقدمه،منها البدع،و منها المعاصي،و منها النفاق .و متى يخلو العبد عن شيء من جملة ذلك؟و إن ظن أنه قد خلا عنه فهو النفاق،إذ قيل:من أمن النفاق فهو منافق:و قال بعضهم لبعض العارفين.إنى أخاف على نفسي النفاق،فقال لو كنت منافقا لما خفت النفاق .فلا يزال العارف بين الالتفات إلى السابقة و الخاتمة،خائفا منهما و لذلك قال صلى اللّه عليه و سلم [١]«العبد المؤمن بين مخافتين بين أجل قد مضى لا يدرى ما اللّه صانع فيه و بين أجل قد بقي لا يدرى ما اللّه فاض فيه فو الّذي نفسي بيده ما بعد الموت من مستعتب و لا بعد الدنيا من دار إلا الجنة أو النّار»و اللّه المستعان
بيان
معنى سوء الخاتمة
فإن قلت:إن أكثر هؤلاء يرجع خوفهم إلى سوء الخاتمة،فما معنى الخاتمة فاعلم أن سوء الخاتمة على رتبتين،إحداهما أعظم من الأخرى فأما الرتبة العظيمة الهائلة،فأن يغلب على القلب عند سكرات الموت و ظهور أهواله إما الشك،و إما الجحود،فتقبض الروح على حال غلبة الجحود أو الشك،فيكون ما غلب على القلب من عقدة الجحود حجابا بينه و بين اللّه تعالى أبدا،و ذلك يقتضي البعد الدائم و العذاب المخلد و الثانية و هي دونها،أن يغلب على قلبه عند الموت حب أمر من أمور الدنيا،و شهوة من شهواتها،فيتمثل ذلك في قلبه و يستغرقه ،حتى لا يبقى في تلك الحالة متسع لغيره،فيتفق قبض روحه في تلك الحال،فيكون استغراق قلبه به منكسا رأسه إلى الدنيا،و صارفا وجهه إليها.و مهما انصرف الوجه عن اللّه تعالى حصل الحجاب،و مهما حصل الحجاب نزل العذاب،إذ نار اللّه الموقدة لا تأخذ إلا المحجوبين عنه.فأما المؤمن السليم قلبه عن حب