إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٧ - بيان
على ملأ من الأشهاد في القيامة،ثم بعد ذلك[١]خطر الصراط،[٢]و هو أن الزبانية إلى آخر ما وردت به الأخبار.فلا يزال الشقي مترددا في جميع أحواله بين أصناف العذاب،و هو في جملة الأحوال معذب إلا أن يتغمده اللّه برحمته و لا تظنن أن محل الإيمان يأكله التراب،بل التراب يأكل جميع الجوارح و يبددها، إلى أن يبلغ الكتاب أجله،فتجتمع الأجزاء المتفرقة،و تعاد إليها الروح التي هي محل الإيمان و قد كانت من وقت الموت إلى الإعادة.إما في حواصل طيور خضر معلقة تحت العرش إن كانت سعيدة،و إما على حالة تضاد هذه الحال إن كانت و العياذ باللّه شقية فإن قلت:فما السبب الذي يفضي إلى سوء الخاتمة فاعلم أن أسباب هذه الأمور لا يمكن إحصاؤها على التفصيل،و لكن يمكن الإشارة إلى مجامعها.أما الختم على الشك و الجحود فينحصر سببه في شيئين.
أحدهما:يتصور مع تمام الورع و الزهد،و تمام الصلاح في الأعمال،كالمبتدع الزاهد.فإن عاقبته مخطرة جدا،و إن كانت أعماله صالحة .و لست أعنى مذهبا فأقول إنه بدعة،فإن بيان ذلك يطول القول فيه.بل أعنى بالبدعة أن يعتقد الرجل في ذات اللّه،و صفاته،و أفعاله خلاف الحق،فيعتقده على خلاف ما هو عليه،إما برأيه،و معقوله،و نظره الذي به يجادل الخصم،و عليه يعول،و به يغتر،و إما أخذ بالتقليد ممن هذا حاله.فإذا قرب الموت،و ظهرت له ناصية ملك الموت،و اضطراب القلب بما فيه،ربما ينكشف له في حال سكرات الموت بطلان ما اعتقده جهلا؛إذ حال الموت حال كشف الغطاء،و مبادئ سكراته منه،فقد ينكشف به بعض الأمور.فمهما بطل عنده ما كان اعتقده،و قد كان قاطعا به متيقنا له عند نفسه،لم يظن بنفسه أنه أخطأ في هذا الاعتقاد خاصة، لالتجائه فيه إلى رأيه الفاسد،و عقله الناقص.بل ظن أن كل ما اعتقده لا أصل له،إذ لم يكن عنده فرق بين إيمانه باللّه و رسوله و سائر اعتقاداته الصحيحة،و بين اعتقاده الفاسد،فيكون انكشاف بعض اعتقاداته عن الجهل سببا لبطلان بقية اعتقاداته،أو لشكه فيها.