إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٣٨ - بيان
فإن اتفق زهوق روحه في هذه الخطرة،قبل أن يثبت و يعود إلى أصل الإيمان،فقد ختم له بالسوء،و خرجت روحه على الشرك و العياذ باللّه منه.فهؤلاء هم المرادون بقوله تعالى (وَ بَدٰا لَهُمْ مِنَ اللّٰهِ مٰا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [١]) و بقوله عز و جل (قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمٰالاً اَلَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيٰاةِ الدُّنْيٰا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً [٢]) .و كما أنه قد ينكشف في النوم ما سيكون في المستقبل،و ذلك بسبب خفة أشغال الدنيا عن القلب،فكذلك ينكشف في سكرات الموت بعض الأمور.إذ شواغل الدنيا و شهوات البدن هي المانعة للقلب من أن ينظر إلى الملكوت،فيطالع ما في اللوح المحفوظ،لتنكشف له الأمور على ما هي عليه.فيكون مثل هذه الحال سببا للكشف، و يكون الكشف سبب الشك في بقية الاعتقادات و كل من اعتقد في اللّه تعالى،و في صفاته و أفعاله شيئا على خلاف ما هو به،إما تقليدا ، و إما نظرا بالرأي و المعقول،فهو في هذا الخطر.و الزهد و الصلاح لا يكفي لدفع هذا الخطر.بل لا ينجى منه إلا الاعتقاد الحق.و البله بمعزل عن هذا الخطر،أعنى الذين آمنوا باللّه و رسوله و اليوم الآخر إيمانا مجملا راسخا،كالأعراب ،و السوادية،و سائر العوام، الذين لم يخوضوا في البحث و النظر،و لم يشرعوا في الكلام استقلالا،و لا صغوا إلى أصناف المتكلمين في تقليد أقاويلهم المختلفة.و لذلك قال صلى اللّه عليه و سلم[١]«أكثر أهل الجنّة البله» و لذلك منع السلف من البحث و النظر و الخوض في الكلام،و التفتيش عن هذه الأمور و أمروا الخلق أن يقتصروا على أن يؤمنوا بما أنزل اللّه عز و جل جميعا،و بكل ما جاء من الظواهر،مع اعتقاده نفي التشبيه:و منعوهم عن الخوض في التأويل،لأن الخطر في البحث عن الصفات عظيم،و عقباته كئودة،و مسالكه وعرة ،و العقول عن درك جلال اللّه تعالى قاصرة،و هداية اللّه تعالى بنور اليقين عن القلوب بما جبلت عليه من حب الدنيا محجوبة و ما ذكره الباحثون ببضاعة عقولهم مضطرب و متعارض و القلوب لما ألقى إليها في مبدأ النشأة آلفة،و به متعلقة ،و التعصبات الثائرة بين الخلق مسامير مؤكدة للعقائد الموروثة أو المأخوذة بحسن الظن من المسلمين في أوّل الأمر.ثم الطباع بحب الدنيا مشغوفة،و عليها
[١] الزمر:٤٧
[٢] الكهف:١٠٣