الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٣٨٠ - احتجاج أبي عبد الله الصادق ع في أنواع شتى من العلوم الدينية على أصناف كثيرة من أهل الملل و الديانات
من أحد وجهين إما أن تكون حيلة وقعت منه فلما أحس النبي ص بذلك خرج مبادرا مع علته فنحاه عنها لكيلا يحتج بها بعده على أمته فيكونوا في ذلك معذورين.
و إما أن تكون هو الذي أمره بذلك و كان ذلك مفوضا إليه كما في قصة تبليغ براءة فنزل جبرئيل ع و قال لا يؤديها إلا أنت أو رجل منك فبعث عليا في طلبه و أخذه منه و عزله عنها و عن تبليغها فكذلك كانت قصة الصلاة و في الحالتين هو مذموم لأنه كشف عنه ما كان مستورا عليه و في ذلك دليل واضح أنه لا يصلح للاستخلاف بعده و لا هو مأمون على شيء من أمر الدين فقال الناس صدقت.
قال أبو جعفر مؤمن الطاق يا ابن أبي حذرة ذهب دينك كله و فضحت حيث مدحت فقال الناس لأبي جعفر هات حجتك فيما ادعيت من طاعة علي ع فقال أبو جعفر مؤمن الطاق أما من القرآن وصفا فقوله عز و جل- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ[١] فوجدنا عليا بهذه الصفة في القرآن في قوله عز و جل وَ الصَّابِرِينَ فِي الْبَأْساءِ وَ الضَّرَّاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ يعني في الحرب و الشغب- أُولئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ[٢] فوقع الإجماع من الأمة بأن عليا ع أولى بهذا الأمر من غيره لأنه لم يفر من زحف قط كما فر غيره في غير موضع فقال الناس صدقت.
و أما الخبر عن رسول الله ص نصا فَقَالَ: إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي كِتَابَ اللَّهِ وَ عِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي فَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ قَوْلُهُ ص إِنَّمَا مَثَلُ أَهْلِ بَيْتِي كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ مَنْ رَكِبَهَا نَجَا وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ وَ مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ وَ مَنْ لَزِمَهَا لَحِقَ[٣] فالمتمسك بأهل بيت رسول الله ص هاد مهتد بشهادة من الرسول- و المتمسك بغيرها ضال مضل.
قال الناس صدقت يا أبا جعفر و أما من حجة العقل فإن الناس كلهم يستعبدون بطاعة العالم و وجدنا الإجماع قد وقع على علي ع بأنه كان أعلم أصحاب رسول الله ص و كان الناس يسألونه و يحتاجون إليه و كان علي مستغنيا عنهم هذا من الشاهد و الدليل عليه من القرآن قوله عز و جل- أَ فَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدى فَما لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ[٤].
[١] التوبة- ١٢٠.
[٢] البقرة- ١٧٧.
[٣] ذخائر العقبى ص ٢٠: عن ابن عبّاس رضي اللّه عنهما قال: قال رسول اللّه:« مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، و من تعلق بها فاز، و من تخلف عنها غرق» أخرجه الملا في سيرته. قال الحجة الأميني في ج ٢ ص ٣٠١ من الغدير: و حديث السفينة رواه الحاكم في المستدرك ج ٣ ص ١٥١ عن أبي ذر و صححه بلفظ: مثل أهل بيتي فيكم مثل سفينة نوح من ركبها نجا، و من تخلّف عنها غرق. و أخرجه الخطيب في تاريخه ج ١٢ ص ٩١ عن أنس و البزار عن ابن عبّاس و ابن الزبير و ابن جرير و الطبراني عن أبي ذر و أبي سعيد الخدري و أبو نعيم و ابن عبد البر و محبّ الدين الطبريّ و كثيرون آخرون.
[٤] يونس- ٣٥.