الإحتجاج - الطبرسي، أبو منصور - الصفحة ٣٣٨ - احتجاج أبي عبد الله الصادق ع في أنواع شتى من العلوم الدينية على أصناف كثيرة من أهل الملل و الديانات
كَانَ مَعَهُ فَإِنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ قَدِيمٌ وَ الْقَدِيمُ لَا يَكُونُ حَدِيثاً وَ لَا يَفْنَى وَ لَا يَتَغَيَّرُ وَ لَا يَخْلُو ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنْ أَنْ يَكُونَ جَوْهَراً وَاحِداً وَ لَوْناً وَاحِداً فَمِنْ أَيْنَ جَاءَتْ هَذِهِ الْأَلْوَانُ الْمُخْتَلِفَةُ وَ الْجَوَاهِرُ الْكَثِيرَةُ الْمَوْجُودَةُ فِي هَذَا الْعَالَمِ مِنْ ضُرُوبٍ شَتَّى-؟ وَ مِنْ أَيْنَ جَاءَ الْمَوْتُ-؟ إِنْ كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي أُنْشِئَتْ مِنْهُ الْأَشْيَاءُ حَيّاً؟ وَ مِنْ أَيْنَ جَاءَتِ الْحَيَاةُ إِنْ كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مَيِّتاً؟ وَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَيٍّ وَ مَيِّتٍ قَدِيمَيْنِ لَمْ يَزَالا لِأَنَّ الْحَيَّ لَا يَجِيءُ مِنْهُ مَيِّتٌ وَ هُوَ لَمْ يَزَلْ حَيّاً وَ لَا يَجُوزُ أَيْضاً أَنْ يَكُونَ الْمَيِّتُ قَدِيماً لَمْ يَزَلْ لِمَا هُوَ بِهِ مِنَ الْمَوْتِ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا قُدْرَةَ لَهُ وَ لَا بَقَاءَ قَالَ فَمِنْ أَيْنَ قَالُوا إِنَّ الْأَشْيَاءَ أَزَلِيَّةٌ؟ قَالَ هَذِهِ مَقَالَةُ قَوْمٍ جَحَدُوا مُدَبِّرَ الْأَشْيَاءِ فَكَذَّبُوا الرُّسُلَ وَ مَقَالَتَهُمْ وَ الْأَنْبِيَاءَ وَ مَا أَنْبَئُوا عَنْهُ وَ سَمَّوْا كُتُبَهُمْ أَسَاطِيرَ وَ وَضَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ دِيناً بِآرَائِهِمْ وَ اسْتِحْسَانِهِمْ إِنَّ الْأَشْيَاءَ تَدُلُّ عَلَى حُدُوثِهِا مِنْ دَوَرَانِ الْفَلَكِ بِمَا فِيهِ وَ هِيَ سَبْعَةُ أَفْلَاكٍ وَ تَحَرُّكِ الْأَرْضِ وَ مَنْ عَلَيْهَا وَ انْقِلَابِ الْأَزْمِنَةِ وَ اخْتِلَافِ الْوَقْتِ وَ الْحَوَادِثِ الَّتِي تَحْدُثُ فِي الْعَالَمِ مِنْ زِيَادَةٍ وَ نُقْصَانٍ وَ مَوْتٍ وَ بِلًى وَ اضْطِرَارِ النَّفْسِ إِلَى الْإِقْرَارِ بِأَنَّ لَهَا صَانِعاً وَ مُدَبِّراً أَ لَا تَرَى الْحُلْوَ يَصِيرُ حَامِضاً وَ الْعَذْبَ مُرّاً وَ الْجَدِيدَ بَالِياً وَ كُلٌّ إِلَى تَغَيُّرٍ وَ فَنَاءٍ قَالَ فَلَمْ يَزَلْ صَانِعُ الْعَالَمِ عَالِماً بِالْأَحْدَاثِ- الَّتِي أَحْدَثَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْدِثَهَا قَالَ فَلَمْ يَزَلْ يَعْلَمُ فَخَلَقَ مَا عَلِمَ قَالَ أَ مُخْتَلِفٌ هُوَ أَمْ مُؤْتَلِفٌ قَالَ لَا يَلِيقُ بِهِ الِاخْتِلَافُ وَ لَا الِائْتِلَافُ وَ إِنَّمَا يَخْتَلِفُ الْمُتَجَزِّي وَ يَأْتَلِفُ الْمُتَبَعِّضُ فَلَا يُقَالُ لَهُ مُؤْتَلِفٌ وَ لَا مُخْتَلِفٌ قَالَ فَكَيْفَ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ قَالَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ فَلَا وَاحِدٌ كَوَاحِدٍ لِأَنَّ مَا سِوَاهُ مِنَ الْوَاحِدِ مُتَجَزِّئٌ وَ هُوَ تَبَارَكَ وَ تَعَالَى وَاحِدٌ لَا يَتَجَزَّى وَ لَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَدُّ قَالَ فَلِأَيِّ عِلَّةٍ خَلَقَ الْخَلْقَ وَ هُوَ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إِلَيْهِمْ وَ لَا مُضْطَرٍّ إِلَى خَلْقِهِمْ وَ لَا يَلِيقُ بِهِ التَّعَبُّثُ بِنَا قَالَ خَلَقَهُمْ لِإِظْهَارِ حِكْمَتِهِ وَ إِنْفَاذِ عِلْمِهِ وَ إِمْضَاءِ تَدْبِيرِهِ قَالَ وَ كَيْفَ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى هَذِهِ الدَّارِ فَيَجْعَلَهَا دَارَ ثَوَابِهِ وَ مُحْتَبَسَ عِقَابِهِ قَالَ إِنَّ هَذِهِ الدَّارَ دَارُ ابْتِلَاءٍ وَ مَتْجَرُ الثَّوَابِ وَ مُكْتَسَبُ الرَّحْمَةِ مُلِئَتْ آفَاتٍ وَ طُبِّقَتْ شَهَوَاتٍ لِيَخْتَبِرَ فِيهَا عَبِيدَهُ بِالطَّاعَةِ فَلَا يَكُونُ دَارُ عَمَلٍ دَارَ جَزَاءٍ قَالَ أَ فَمِنْ حِكْمَتِهِ أَنْ جَعَلَ لِنَفْسِهِ عَدُوّاً وَ قَدْ كَانَ وَ لَا عَدُوَّ لَهُ فَخَلَقَ كَمَا زَعَمْتَ إِبْلِيسَ فَسَلَّطَهُ عَلَى عَبِيدِهِ يَدْعُوهُمْ إِلَى خِلَافِ طَاعَتِهِ وَ يَأْمُرُهُمْ بِمَعْصِيَتِهِ وَ جَعَلَ لَهُ مِنَ الْقُوَّةِ كَمَا زَعَمْتَ مَا يَصِلُ بِلُطْفِ الْحِيلَةِ إِلَى قُلُوبِهِمْ فَيُوَسْوِسُ إِلَيْهِمْ فَيُشَكِّكُهُمْ فِي رَبِّهِمْ- وَ يُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ فَيُزِيلُهُمْ عَنْ مَعْرِفَتِهِ حَتَّى أَنْكَرَ قَوْمٌ لِمَا وَسْوَسَ إِلَيْهِمْ رُبُوبِيَّتَهُ وَ عَبَدُوا سِوَاهُ فَلِمَ سَلَّطَ عَدُوَّهُ عَلَى عَبِيدِهِ وَ جَعَلَ لَهُ السَّبِيلَ إِلَى إِغْوَائِهِمْ قَالَ إِنَّ هَذَا الْعَدُوَّ الَّذِي ذَكَرْتَ لَا تَضُرُّهُ عَدَاوَتُهُ وَ لَا تَنْفَعُهُ وَلَايَتُهُ وَ عَدَاوَتُهُ لَا تَنْقُصُ مِنْ مُلْكِهِ شَيْئاً وَ وَلَايَتُهُ لَا تَزِيدُ فِيهِ شَيْئاً وَ إِنَّمَا يُتَّقَى الْعَدُوُّ إِذَا كَانَ فِي قُوَّةٍ يَضُرُّ وَ يَنْفَعُ إِنْ هَمَّ بِمُلْكٍ أَخَذَهُ أَوْ بِسُلْطَانٍ قَهَرَهُ فَأَمَّا