الإدارة و القيادة في الإسلام - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٦٠ - ٥- إيجاد المحرك والدافع
حدود العدو بدون أيّة تغطية وملجأ يلجأ إليه المسلمون لدرء خطر العدو القوي، أثبت النبي بذلك منتهى الجرأة والشجاعة، إلى درجة أنّ المنافقين قالوا إنّ محمّد وأتباعه لن يرجعوا من هذا السفر أبداً، كما تحدّث القرآن الكريم عنهم بقوله:
«بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلَى أَهْلِيهِمْ أَبَداً وَزُيِّنَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْماً بُوراً» [١].
وهذا الموقف الشجاع من النبي الأكرم صلى الله عليه و آله الزاخر بالمعطيات السياسية والعسكرية والروحية يعدّ في الحقيقة اظهاراً للقدرة وبمثابة مناظرة عسكرية جريئة تدفع بالعدو إلى الإحجام عن أيّ إقدام عسكري وهجوم جديد على المدينة، وضمن ذلك يرسل رسالة بهذه المناورة إلى جميع القبائل العربية في الجزيرة أنّ المسلمين يحترمون ويقدّسون الكعبة، وبهذه الطريقة أجهض النبي الأكرم صلى الله عليه و آله الإعلان السلبي لقريش عن المسلمين وأبطل اتهاماتهم وإشاعاتهم، ومن جهة أخرى أثبت لقريش أنّ مكانة «مكة» بعد انتصار الإسلام سوف تبقى على محوريتها ولا تهتز ولا تتزلزل قدسيتها في أنظار الناس والمسلمين الذين سمعوا آيات الوحي وهي تؤكد على قداسة البيت والحرم وتؤكد على مسألة الحج والعمرة.
وأخيراً وصل المسلمون إلى أرض «الحديبية» وهي قرية تقع على مقربة (٢٠ كيلومتراً تقريباً من مكة)، وكما كان متوقعاً فإنّ المشركين منعوا المسلمين من دخول مكّة وحدثت مبادلات في الرسل بين جيش الإسلام وقريش وانتهى أخيراً بترتيب «صلح الحديبية» الذي يعتبر نصراً كبيراً للإسلام وامتيازاً عظيماً للمسلمين، وقد دوّى خبر هذا الصلح في جميع أرجاء الجزيرة العربية كالقنبلة، ومهّد الأرضية اللازمة لتسريع امتداد الإسلام في كافة مناطق الجزيرة، وهذه الحادثة التاريخية تعتبر من أهم وقائع الإسلام فيما تتضمنه من دروس وعناصر حيوية ونقاط ثرية.
الغرض أنّ المؤرخين ذكروا في هذه الحادثة أنّ قريش في ذلك الوقت أقدمت على
[١]. سورة الفتح، الآية ١٢.