الإدارة و القيادة في الإسلام - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٧ - مواجهة الضغوط في مكة وبداية الهجرة
وكسبهم لتجارب أكثر في هذا المجال.
٣- عندما مرض أبو طالب، وهو المدافع الأكبر عن النبي الأكرم صلى الله عليه و آله، والذي كان المشركون وزعماء قريش يكنّون له احتراماً خاصّاً، جاء إليه زعماء قريش المشركون و عزموا على إجراء «هدنة» في هذه الجلسة بينهم وبين رسولاللَّه صلى الله عليه و آله والمسلمين القلائل من أتباعه، وكانوا مستعدّين لإعطاء امتيازات مهمّة للنبي ليترك دعوته وينظمّ إلى معسكر الشرك.
وحينئذٍ طلب أبو طالب من رسول اللَّه صلى الله عليه و آله أن يشترك معهم في ذلك المجلس وطرح عليه اقتراح زعماء قريش، وهنا قال النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كلمته المعروفة:
«يا عَمّاه! كَلِمَةٌ وَاحِدةٌ يُعطُونيها يَملِكُونَ بِها العَربَ، وَيَدِينُ لَهُم العَجم».
فقال أحد قادة المشركين عندما سمع هذا الكلام: «نَعَم وَأَبِيكَ عَشْرُ كَلماتٍ». أي قسماً بروح أبيك عبداللَّه نحن مستعدون لإعطائك عشر كلمات لتحقيق هذا الغرض.
فقال رسول اللَّه صلى الله عليه و آله: «تَقُولُون: لاإلَهَ إلّااللَّهُ، وتَخلَعُونَ مَا تَعبُدونَ مِنْ دُونِهِ».
فعندما سمع هؤلاء المشركون كلمة التوحيد هذه ولزوم «خلع الأنداد» وانهدام نظامهم القائم على الشرك، استنكروا ذلك وأخذهم التعصّب وتصوّروا أنّ خلع عقيدة الشرك تعني خلع كلّ شيء يملكونه في هذه الحياة، فقالوا للنبيّ في حال من التعجب:
«أَتُرِيدُ يا مُحَمَّد أَنْ تَجعَلَ الآلِهَةَ إلهاً وَاحِداً إنَّ أَمرَكَ لَعَجبٌ» [١]. (وهكذا يتبيّن أن شخصية القبائل العربية وهويتهم المتّحدة مع أصنامهم ماذا يكون مصيرها فيما لو اعتنقوا الإسلام؟ وكذلك ماذا يكون مصير الكعبة التي تعدّ مركز الأوثان للقبائل العربية في جزيرة العرب الذين كانوا يأتون إلى مكة كل عام وكانت قريش تجني من ذلك أرباحاً طائلة).
إنّ هذه الكلام يبيّن بوضوح أنّ النبي الأكرم صلى الله عليه و آله كان في ذلك الوقت يفكر بتشييد حكومة عالمية عظيمة (اطروحة عظيمة جدّاً ونقطة بداية صغيرة) وهذه: إحدى الأُصول المهمّة للإدارة.
٤- بعد وصول النبي الأكرم صلى الله عليه و آله إلى المدينة، قام قبل كلّ شيء بتشكيل «الحكومة»،
[١]. سيرة ابن هشام، ج ٢، ص ٥٨ و ٥٩.