الإدارة و القيادة في الإسلام - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٥ - ٨- جمع المعلومات والاحصائيات
والإيمان باللَّه تعالى والتوكل عليه والذي كان المسلمون يعيشون هذا الإيمان والتوكل من خلال الثورة العقائدية والثقافية التي جاء بها النبي الأكرم صلى الله عليه و آله وكذلك تلاوة المسلمين لآيات القرآن طيلة المعركة وما كان النبي يتحدث به مع المسلمين في مجال رفع معنوياتهم والشدّ من عزائمهم، يعتبر عاملًا مهماً آخر في انتصار المسلمين.
ومن العوامل المهمّة الأخرى استقامة النبي وروحه الكبيرة واعتماده على النفس ممّا ألهم المسلمين قوة القلب والعزيمة والمثابرة إلى نهاية المعركة.
بث الفرقة والخلاف في جيش الكفر:
ومضافاً إلى كل ذلك فإنّ أحد العوامل المؤثرة في انهيار جبهة الكفر وإضعاف جيش الأحزاب هو ما ألمحنا إليه سابقاً من عمل «نعيم بن مسعود».
والقصة كما يرويها المؤرخون:
«ثُمّ إنّ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ أتى رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله فَقَالَ: يَا رَسولَ اللَّهِ، إنّي قَدْ أسْلَمْتُ، وَإنّ قَومي لم يَعْلَموا بإسلامي، فَمُرْني بِما شِئْتَ، فَقَالَ لَهُ رَسولَ اللَّهِ صلى الله عليه و آله: إنّما أنْتَ فِينا رَجُلٌ واحِدٌ، فَخَذِّلْ عَنّا إنِ اسْتَطَعْتَ فإنّ الحَرْبَ خُدْعَةٌ. فَخَرَجَ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعودٍ حَتّى أتى بَنيقُرَيْظَةَ- وَكانَ لَهُمْ نَدِيماً في الْجَاهِلِيَّةِ، فَقَالَ: يَا بَنيقُرَيْظَةَ، قَدْ عَرَفْتُمْ وُدِّي إيّاكُمْ وَخاصَّةَ مَا بَيْني وَبَيْنِكُمْ، قالوا: صَدَقْتَ، لَسْتَ عِنْدَنا بِمُتَّهَمٍ، فقال لَهُمْ: إنّ قُرَيشاً وغطفان لَيْسوا كأنَّهُمْ، الْبَلَدُ بَلَدَكُمْ، فِيهِ أموالُكُمْ وأبْناؤكُمْ وَنِساؤُكُمْ، لاتقدِرونَ عَلى أن تُحَوِّلُوا مِنه إلى غَيْرِه، وإنَّ قُرَيْشاً وَغَطْفانَ قَدْ جاء وَالْحَرْبِ مُحَمَّدٍ وأصحابِهِ وَقَدْ ظاهَرْتُمُوهُمْ عَلَيْهِ، وَبَلَدُهُمْ وأمْوالُهُمْ وَنِساؤهم بِغَيْرِهِ، فَلَيْسوا كأنْتُمْ، فإنْ رَأَوْا نُهْزَةً أصابُوها وإنْ كانَ غَيْرُ ذلِكَ لَحِقُوا ببلادِهِمْ وَخَلُّوا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الرَّجُلِ بِبَلَدِكُمْ، وَلَاطَاقَةَ لَكُمْ بِهِ إنْ خَلابِكُمْ، فَلا تُقاتِلُوا مَعَ الْقَوْمِ حَتّى تَأْخُذُوا مِنْهُمْ رَهْناً مِنْ أَشْرافِهِمْ» [١].
ولا شك في أنّ استخدام هذه الأساليب والعمليات الدقيقة لا تتسنى بدون امتلاك معلومات واسعة عن أوضاع العدو، ولا يمكنها أن تحقق نجاحاً بدون تهيئة أرضية مناسبة
[١]. راجع: المغازي للواقدي، ص ٤٨٠؛ سيرة ابن هشام، ج ٣، ص ٢٤٠؛ السيرة الحلبية، ج ٢، ص ٣٤٦.